فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 134

أمَّا إن كان متعديًا للغير فهذا لا يُقبل فيه الإكراه. مثلًا: لو سجنوه، أو مسوه بعذاب، وقالوا: لابد أن تقتل فلانًا، فهنا لا يجوز أن يقتل فلانًا بحجة الإكراه لأن درء القتل عن نفسك لا يُبيح قتل غيرك. وأيضًا: أكره على أن يزني بفلانة، فهذا لا يجوز حتى لو قتل.

ولو قيل له: حتى تضرب فلانًا، فهذا لا يجوز لو قتل. ولو قيل له: لا نتركك حتى تدلنا على فلان، فهذا كذلك لا يجوز،

والدليل على هذه المسألة قوله - صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار" [1] ، وقول المصنف: (الآية تدل على هذا من جهتين:

الأولى قوله: {إلا من أكره} فلم يستثن اللَّه تعالى إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأمَّا عقيدة القلب، فلا يكره عليها أحد.

والثاني: قوله تعالى: {ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا} [2] .

مسألة: على ماذا يقع الإكراه؟

الجواب: يقع الإكراه على ثلاثة أشياء:

الأول: الإكراه على العمل، كأن يسجد لغير اللَّه، أو يذبح لغير اللَّه، الذي هو شرك أو كفر.

الثاني: الإكراه على قول الشرك، كسب الرسول أو الدين.

الثالث: الإكراه على عمل القلب.

أمَّا الإكراه على العمل: هذا يجوز لو أُكره أن يسجد لغير اللَّه، إذا كان الإكراه مُلجئًا، إلا أن فيه تقسيم بالنسبة للعمل:

أ - أمَّا العمل المتعدي ضرره للآخرين: فهذا لا يجوز أن يوافق عليه، كما لو أُكره على قتل فلان فلا يجوز أن يوافق، ولو أكره وسُجن، لأنه لا يمكن أن يدرأ القتل عن نفسه بإتلاف نفسٍ معصومة أخرى، ومثله لو أكره أن يكون جنديًا في جيش الكفار لقتال المسلمين، فإن هذا الإكراه لا يجوز لقوله تعالى: {قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم .... } الآية [3] ، فإنها نزلت في مسلمين لم يهاجروا وجلسوا في مكة، فأكرههم أهل مكة على أن يقاتلوا مع الكفار ضد المسلمين في معركة بدر فنزلت الآية تُبيّن عدم عذرهم، وإن مأواهم جهنم وهذا دليل ردتهم لأنهم ساعدوا جيش الكفار ضد المسلمين، ولمزيد من البحث في هذه المسألة بالذات راجع الموالاة للشيخ سليمان بن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الوهاب في مجموعة التوحيد.

قال تعالى: {ولا تعتدوا إن اللَّه لا يحب المعتدين} [4] ، وقال - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المرفوع:"لا ضرر ولا ضرار".

ب - أمَّا لو كان العمل لا يتعدى: كما لو أُجبر أن يسجد لغير اللَّه، أو يذبح لغير اللَّه، هذا يجوز إذا كان الإكراه مُلجئًا، وكان قلبه مطمئنًا بالإيمان.

أمَّا الإكراه على قول الكفر، فهذا يجوز قوله.

مسألة: الإكراه على عمل القلب واعتقاد القلب:

هذا لا يتصور فيه إكراه، ولا يسوغ. مثل لو قالوا: نقتلك إذا لم تبغض الرسول في قلبك، وهذا ليس فيه إكراه مهما كان.

وذلك لأنه ليس له سلطة على قلبك، ولذا قال المصنف (أمَّا عقيدة القلب فلا يكره عليها أحد) .

إلا أنه يجب على المكره أن يُهاجر إلى بلد يأمن فيه، إذا كان قادرًا على الهجرة، كما قال تعالى: {قالوا فيمَ كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض اللَّه واسعة فتهاجروا فيها} [5] وهذه نزلت فيمن يقدر على الهجرة وتركها.

تم شرح كشف الشبهات، نسأل اللَّه

أن يرحم مؤلفها ويغفر له، وأن يثبت

قلب شارحها ويحميه من الشر

وأن يجعل لنا نصيبًا من أجرها

وثوابها، والحمد لله رب

العالمين وصلى اللَّه على

سيدنا محمد وعلى

آله وصحبه وسلم

(1) رواه ابن ماجه في الأحكام (2340) ، (2341) ، ورواه أحمد ومالك.

(2) النحل: 107.

(3) النساء: 97.

(4) البقرة: 190.

(5) النساء: 97.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت