ومن الإكراه غير الملجىء لو خاف خوفًا غير سائغ؛ كما لو خاف التعيير أو الانتقاد أو التشهير، فهذا ليس بملجئ ولا يعذر به، قال تعالى: {إنَّما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين} [1] ، وجاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد:"أن اللَّه يقول للعبد يوم القيامة الذي رأى المنكر فلم ينكر قال اللَّه: ما منعك أن تنكر، قال العبد: خشية الناس، قال اللَّه: إيايَّ أحق أن تخشاه" [2] .
مسألة: هل يكفي التهديد بالقول أو لابد أن يُمسَّ بعذاب؟
بمعنى لو هَدده قادرٌ بالقتل، هل هو عذر أم لابد أن يحصل الفعل ثم يوافق؟
فيه خلاف بين أهل العلم:
القول الأول: أن التهديد كافٍ.
ذهب الجمهور إلى أنه يكفي التهديد الكلامي، بشرط أن يكون قادرًا على تنفيذ تهديده، أو يغلب على الظن أنه يقوم به. واستدلوا بعموم قول اللَّه تعالى: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [3] .
القول الثاني: أنه لابد أن يُمسَّ بعذاب.
وهو رأي الإمام أحمد، ولذا أنكر الإمام أحمد على يحيى بن معين وغيره ممن وافق على القول بخلق القرآن لما هددهم السلطان.
قال الإمام أحمد:"يستدلون بحديث عمّار، وعمّار عُذب، وهؤلاء قيل لهم سوف نضربكم".
وهناك جمع بين القولين:
والذي تميل إليه النفس في هذه المسألة هو: الجمع بين القولين باعتبار الأشخاص، فأمَّا العلماء وطلبة العلم الذين يُقتدى بهم، ويتأثر الناس بأقوالهم، فهؤلاء لا يوافقون بالتهديد القولي حتى يُمسّوا بعذاب، وإن صبروا حتى قتلوا فهذا أكمل، لأنه نوع من الجهاد، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا} [4] .
ويدل عليه حديث طارق بن شهاب، رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد، وجاء من طريق ابن أبي شيبة والحديث حسن"في الرجل الذي طُلب منه أن يذبح لغير اللَّه فامتنع حتى قتل" [5] ، وأيضًا يحمل عليه قصة الغلام الذي فيها"بسم اللَّه رب الغلام" [6] لأنه صابر حتى قتل.
أمَّا سائر الناس والذين لا فتنة في موافقتهم كشباب الصحوة مثلًا والعوام، فيجوز أن يقبلوا بالتهديد، ويكون عذرًا في حقهم، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم:"إن اللَّه يحب أن تؤتى رخصه" [7] .
ويختلف أيضًا باعتبار الزمان:
فإن الزمن الأول في دعوة الحق، وأوائل الدعاة هؤلاء يصبرون ويصدعون بالتوحيد حتى يُقتلوا، أو يُعذبوا حتى ولو كانوا من عوام الناس،
فلا ينظر إلى الأشخاص في أول دعوة أهل السنة والجماعة إذا كانوا في مجتمع جاهلي، وعليه يحمل حديث خباب بن الأرت، وكان هذا في أول الدعوة المكية، قال للرسول - صلى الله عليه وسلم:"ألا تدعو لنا، ألا تستنصر لنا، قال: كان فيما قبلكم يؤتى بالرجل فيشق بالمنشار ..." [8] ، وذكر القصة التي تدل على المصابرة، ويحمل عليه عمل بعض الصحابة كأبي ذر وبلال وياسر وزوجته سميّه، لكن لو وافق القليل بحيث لا يكون ظاهرة عامة فلا مانع.
مسألة في الإكراه: الإكراه عذر بشرط أن لا يكون متعديًا ضرره على الغير:
(1) آل عمران: 175.
(2) رواه الإمام أحمد في باقي مسند المكثرين (11016) ، (11435) ، ورواه ابن ماجه في الفتن، باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (3998) .
(3) النحل: 106.
(4) آل عمران: 200.
(5) هو موقوف ولم يوجد مرفوعًا، انظره في: الزهد لأحمد ص25، ورواه ابن أبي شيبة 12/ 358، ورواه أبو نعيم في الحلية 1/ 203.
(6) رواه مسلم في الزهد والرقائق (3005) من حديث صهيب رضي اللَّه عنه.
(7) رواه أحمد في مسند المكثرين (5832) عن ابن عمر رضي اللَّه عنهما.
(8) رواه البخاري في المناقب (3612) ، والإكراه (6943) ، ورواه أبو داود أيضًا.