ومثلها اليوم من يعمل في البرلمان وغيره أو يحارب الصحوة والجهاد والمجاهدين بأعذار واهية،
ثم نص المصنف عليها لأنها وجدت في زمانه، وهي في الحقيقة في كل زمان، تجد من لا ينكر الشرك ويتعذر بهذه الأعذار.
واستدل على بطلان الأعذار الخمسة بأناس كفروا واعتذروا بأعذار غير صحيحة، فلم يُقبل منهم، وهي قصة الذين سخروا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - والصحابة في غزوة تبوك [1] ، فلم يعذرهم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ويقاس عليه هذه الأعذار التي ذكرها المصنف بقياس الشبه، بجامع أنها غير مقبولة شرعًا.
ومن الأدلة على بطلان هذه الأعذار:
قوله تعالى: {قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من اللَّه ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي اللَّه بأمره واللَّه لا يهدي القوم الفاسقين} [2] هذه كلها ليست أعذارًا.
قضية معاصرة:
وهي أن الكلام السابق في الأفراد أنه ليس لهم عذر في ترك العمل بالتوحيد إذا احتجوا بتلك الأعذار الخمسة الواهية، نقول وكذلك بالنسبة للدول والتجمعات أن بعض الدول تترك العمل بالتوحيد، و تعمل الكفر أو الشرك وتحتج بأعذار واهية، مثل خشية الفتنة الطائفية، أو الحرب الأهلية، أو خشية المقاطعة الاقتصادية، أو خشية العزلة السياسية، أو خشية بعض الدول الإقليمية أو العالمية، أو خشية ذهاب الملك، أو ذهاب المنصب، أو خشية ضعف الدعم الشعبي أو الجماهيري، أو خشية هبوط شعبيته عند الناخبين، فهذه إحدى عشر عذرًا من الأعذار الباطلة المعاصرة التي يحتج بها من يحتج لعدم تطبيق الشريعة ولعدم فرض التوحيد عليهم.
النوع الثاني:
هناك صنف من الناس يُعذرون، ولكن بشرط أن يكون قلبه مطمئنًا بالإيمان، وإنَّما يوافقهم ظاهرًا لا باطنًا، هذا الصنف هو المكره.
ولذا قال المصنف: فلم يعذر اللَّه من هؤلاء إلا من أكره، مع كون قلبه مطمئنًا بالإيمان
وأمَّا غير هذا فقد كفر، واستدل على ذلك بقوله تعالى {من كفر باللَّه من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان} [3] .
ولم يذكر المصنف وسائل الإكراه التي يعذر فيها.
مسألة: وسائل الإكراه فيما يعذر فيه وما لا يعذر فيه:
وعلى ذلك فالإكراه على قسمين:
1 -الإكراه المُلجىء [4] ، قال المصنف: (الذي يعذر صاحبه) .
مثل: أن يهدد بالقتل، فلو عمل بالتوحيد قُتل، بشرط أن يكون المُهَدِّد [5] بالقتل قادر على قتله.
مثال آخر: الضرب المبرح الذي لا يتحمله، أو هُدد به من قادر، أمَّا لو كان ضربًا يسيرًا يتحمله، ليس فيه كسر عضو ونحو ذلك فليس بعذر.
ومثله السجن: أمَّا لو كان سجنًا قليلًا وأيامًا معدودة يتحملها فلا يعذر، فالسجن يعتبر إكراهًا.
أمَّا التكلم في عرضه [6] وشتمه هذا ليس بعذر.
2 -الإكراه غير الملجىء: ويقصد به أن يكره على شيء، ويهدد بشيء يتحمله كما لو هُدد بضرب بسيط، أو أخذ مال، فهذا ليس بعذر
(1) سبق تخريجه ص118.
(2) التوبة: 24.
(3) النحل: 106.
(4) الذي يُلجه إلى الفعل.
(5) يعني الذي يريد أن يقتل.
(6) مثلًا: يقول لو قصَّرت ثوبي لتكلم بعرضي، أو لو أطلقت لحيتي لتكلم بعرضي، فهذا ليس بعذر.