وهذا القسم هو الذي ركَّز عليه المصنف وأطال فيه، وهو على نوعين: ولكن نترك الكلام عنه الآن حتى ننتهي من القسم الثاني.
القسم الثاني:
من عمل بالتوحيد ولم يفهمه، أو يعتقده بقلبه، وهنا جاء بعمل الجوارح واللسان، وتخلف القلب، وهذا أشار إليه المصنف بقوله (فإن عمل بالتوحيد عملًا ظاهرًا وهو لا يفهمه، أو لا يعتقده بقلبه) وسمى هذا القسم بالمنافق، وقسم منه يسمّى في زماننا بالعلماني بجميع أصنافهم، سواء أكانوا سياسيين أو فكريين، حكام أو غيرهم.
قول المصنف (وهو شر من الكافر الخالص) ، قال تعالى: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} [1] .
هذا قسم من يعمل بالتوحيد ظاهرًا لا باطنًا، مثل العلمانيين وغيرهم.
واقتصر المصنف على هذين القسمين، وتكملة للقسمة نقول إن هناك قسمًا ثالثًا:
وهو من لم يعرف ولم يعمل، أي ليس معه شيء من الثلاثة، لا بالقلب، ولا باللسان، ولا بالجوارح، وهذا هو كفر الجهل.
ونعود الآن إلى القسم الأول: وهو من عرف التوحيد ولم يعمل به مع قدرته عليه، وهو على نوعين:
النوع الأول: غير معذور لترك العمل بالتوحيد.
النوع الثاني: المكره.
النوع الأول:
غير المعذور: وهو الذي بدأ به المصنف، وهو على أصناف:
1 -الذي ترك العمل بالتوحيد عنادًا، قال المصنف: (كفرعون وإبليس وأمثالهما) .
2 -من ترك العمل بالتوحيد وعمل بالشرك وليس له عذر صحيح، ومثَّل له المصنف بقوله: (لا يجوز عند أهل بلدنا إلا من وافقهم) وهذا القسم ركّز عليه المصنف لأنه من القضايا المعاصرة في زمانه، وهو الذي لا يعمل بالتوحيد وليس له عذر صحيح إنَّما له أعذار واهية باطلة، ذكر المصنف منها خمسة أعذار باطلة لا تغني ولا تسمن من جوع، ومن هذه الأعذار الزائفة:
أن يترك العمل بالتوحد خوف نقص دنيا، وهو العذر الأول من الأعذار الباطلة:
ويقصد بالخوف - خوف نقص الدنيا - الخوف غير الملجئ، ومثاله: إذا علموا أنه موحد لا يشترون منه، أو لا يبيعون له، أولا يعطوه إذا كان فقيرًا، أو لا يُقرضوه، فهذا ليس عذرًا له فيجب العمل و المجاهرة بالتوحيد.
وقول المصنف (نقص دنيا) أعم من قوله (نقص مال) ، حتى يشمل المال وغيره، كما لو خاف أن يهجروه أو أن لا يزوجوه.
أمَّا لو كان الخوف ملجئًا (وهو ما يسمى بالإكراه) فإنه يعذر .. مثل لو ضربوه أو سجنوه، فهذا يعذر قال تعالى (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان) .
ويأتي في آخر الباب ما هو الخوف الملجىء.
العذر الثاني: من الأعذار الواهية الزائفة التي ليست هي عذرًا مقبولًا في ترك العمل بالتوحيد وهو: أن يترك العمل بالتوحيد بعذر خوف نقص جاه.
كأن يكون له مكانة عندهم فإذا عمل بالتوحيد، وأنكر الشرك، نزلت مكانته الاجتماعية، وهذا أيضًا من الأعذار الواهية. ومثله اليوم منصب أو وزارة أو مؤسسة أو هيئة عليا ونحوه،
العذر الثالث من الأعذار الواهية:
أن يترك العمل بالتوحيد بعذر المداراة لهم ومراعاة لخواطرهم، وهذا ليس بعذر، وهو أن يعمل مكفرًا من أجل إرضاء أحد.
العذر الرابع من الأعذار الواهية:
أن يترك العمل بالتوحيد مشحة بالوطن، كأن يكون وطنه غاليًا عليه، فلو أنكر الشرك اضطر لترك بلاده وهي غالية عليه ويحب البقاء فيها، فآثر السكوت مع البقاء في بلده والتمتع بالبقاء فيه.
العذر الخامس من الأعذار الزائفة:
أن يترك العمل بالتوحيد مشحة الأهل والعشيرة، فيؤدي حبه لأهله وعشيرته، ومخافة تركهم إلى عدم العمل بالتوحيد، وإنكار الشرك والبراءة منه ومن أهله.
هذه الأمثلة التي نص عليها المؤلف كلها أعذار غير صحيحة لعدم العمل بالتوحيد وإنكار الشرك والبراءة منه ومن أهله،
(1) النساء: 145.