فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 134

المقطع الثاني:

قول المصنف(أرسله إلى قوم يتعبدون، ويحجون، ويتصدقون، ويذكرون اللَّه كثيرًا، ولكنهم يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين اللَّه، يقولون: نريد منهم التقرب إلى اللَّه، ونريد شفاعتهم عنده، مثل الملائكة، وعيسى بن مريم، وأناس غيرهم من الصالحين، فبعث اللَّه محمدًا صلى اللَّه عليه وسلم يجدد لهم دين أبيهم إبراهيم، ويخبرهم أن هذا التقرب والاعتقاد محض حق لله، لا يصلح منه شيء لغير اللَّه، لا لملك مقرب ولا لنبي مرسل، فضلًا عن غيرهما، وإلاَّ فهؤلاء المشركون يشهدون أن اللَّه هو الخالق وحده لا شريك له، وأنه لا يرزق إلا هو، ولا يحيي إلا هو، ولا يميت إلا هو، ولا يدبر الأمر إلا هو، وأن جميع السموات ومن فيهن والأرض وما فيها كلهم عبيده، وتحت تصرفه، وقهره، وإذا أردت الدليل على أن هؤلاء الذين قاتلهم رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم - يشهدون بهذا، فاقرأ قوله تعالى: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون اللَّه فقل أفلا تتقون} [1]

وقوله: {قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون • سيقولون لله قل أفلا تذكرون • قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم • سيقولون لله قل أفلا تتقون • قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يُجير ولا يُجار عليه إن كنتم تعلمون • سيقولون لله قل فأنى تسحرون} [2] وغير ذلك من الآيات) .

العنوان: طبيعة من أرسل إليهم الرسول اعتقادًا و عملًا:

الخلاصة: أن من أرسل إليهم الرسول، كان عندهم شيئان:

1 -عندهم إقرار بالربوبية: فكفار العرب كانوا يقرون بالربوبية.

2 -عندهم بعض العبادات.

إذن فكفار العرب الذين أرسل إليهم الرسول صلى الله عليه وسلم، كانوا يقرون بالربوبية، ومع ذلك لم ينفعهم ذلك، والمصنف ذكر أدلة على إقرارهم بالربوبية.

وأيضًا عندهم بعض العبادات فهم يحجون لقوله (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس) ،وفي الصحيح أنهم يقولون في تلبيتهم (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك) ، ولقوله ويتصدقون، ويذكرون اللَّه عند الشدة، ويصومون عاشوراء، ومع ذلك لم تنفعهم ما دام أنهم لم يوحدوا في هذه العبادة، فالإنسان إذا أقر بالخالق، وذبح لغير اللَّه فلا ينفعه إقراره، فلابد أن يأتي بتوحيد الألوهية والربوبية، فلا يذبح إلا لله، ولا ينذر إلا لله، ويجعل جميع العبادات لله.

قوله (يتعبدون) بدأ بتفصيل العبادات التي يتعبدونها، ويقصد بقوله هنا (يتعبدون) أي الصيام، وإن كان اللفظ عامًا، إلا أن بعض الشُرَّاح فسَّر يتعبدون بصيام يوم عاشوراء. وأيضا الاعتكاف لحديث عمر أنه نذر الاعتكاف في الجاهلية،

قوله (ويحجون) لأنه كان من بقايا دين إبراهيم. قوله (ويتصدقون) بالمال والعتق، كما جاء في الحديث عن عمرو بن العاص، وحكيم بن حزام،

قوله (ويذكرون اللَّه كثيرًا) في حال دون حال، في حال الشدة يذكرونه فقط.

هذه أربع عبادات كانوا يتعبدون اللَّه بها، ولم يذكر الصلاة لأنها لم تكن موجودة، لكن هناك قوله تعالى: {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية} [3] ، الصلاة هنا الطواف. قوله (ولكنهم) "لكن"حرف استدراك. قوله (يجعلون بعض المخلوقات وسائط بينهم وبين اللَّه) مثل الملائكة، وعيسى بن مريم، وغيرهم من الصالحين، وهذا هو شركهم فيأتون إلى الواسطة يقولون: يا عيسى ادع اللَّه لنا، أو أحد الصالحين لأن له جاه عند اللَّه، وكانوا يأتون إلى أصنامهم ويذبحون لها، حتى تشفع لهم عند اللَّه، وهذا هو

الاعتقاد الأول.

(1) يونس: 31.

(2) المؤمنون: 84 - 89.

(3) الأنفال: 35.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت