واستدلوا أيضا بقول ابن مسعود رضي الله عنه (لأن أحلف بالله كاذبا أحب إليَّ من أن أحلف بغيره صادقا) . قال الحفيد سليمان في التيسير ص530: ذكره ابن جرير غير مسند في التفسير وقد جاء عن ابن عباس وابن عمر نحوه ورواه الطبراني بإسناد موقوف، قال المنذري ورواته رواة الصحيحين. والشاهد أنه جعل الحلف بغير الله وهو شرك أصغر أعظم من الكبائر وهذا بالإجماع ومعلوم أن مذهب أهل السنة والجماعة أن الكبائر تحت المشيئة والشرك الأصغر أعظم من الكبائر فكيف يعطى حكمها وهو أعظم منها كما أن الشرك الأكبر أعظم منه فلم يعطَ حكمه ولذا فالشرك الأصغر في منزلة بين المنزلتين وهو جنس مستقل بنفسه فليس هو مثل الأكبر فيعطى حكمه وكذلك ليس هو مثل الكبائر فيعطى حكمها فاستقل بحكم خاص وهو أن الله لا يغفره لكن لا يكفر فاعله ولا يخلد في النار.
وهناك تعليل: وهو (أن الشرك مسبة لله تعالى وتنقص وجعل ند لله ولو من وجه أصغر
والكبائر المحضة نقص في النفس وضعف فكيف يُجعل ضعف النفس ونقصها مثل ما هو
مسبة لله وتنقص ولو من وجة أصغر، لا يستوون، وهذا القول هو الراجح، وقد اختاره الحفيد عبد الرحمن كما في قرة عيون الموحدين ص34 قال: أما الشرك الأكبر فلا عمل معه ويوجب الخلود في النار وأما الأصغر كيسير الرياء هذا لا يكفر إلا برجحان السيئات بالحسنات. أهـ واختاره أيضا ابابطين فإنه لما ذكر كلام ابن تيمية فيما نقل عنه تلميذه ابن مفلح في الفروع قال ابن تيمية [1] أن الشرك قد لا يغفر وإن كان أصغر فعقّب ابا بطين فقال وذلك والله أعلم لعموم قوله تعالى (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) مع أن الشيخ رحمه الله لم يجزم أنه يغفر لمن ذكرهم وإنما قال قد يغفر) اهـ كلام ابا بطين في الدرر 10/ 388 واختاره أيضا عبد الرحمن بن قاسم كما في حاشيته على كتاب التوحيد ص 50قال (والشرك الأصغر حكمه أنه لا يغفر لصاحبه إلا بالتوبة لعموم(إن الله لا يغفر أن يشرك به) ويدخل تحت الموازنة اهـ واختاره أيضا شيخنا الشيخ حمود بن عقلاء الشعيبي حفظه الله،
أما اختيار المصنف فقد قال في تاريخ نجد ص 439 ما يدل على أن المصنف يفرق بين الشرك الأصغر والكبائر فقال (وأما معنى كل ذنب عُصى الله به شرك أو كفر فالشرك والكفر نوع والكبائر نوع آخر والصغائر نوع آخر، ومن أصرح ما فيه حديث أبي ذر فيمن لقي الله بالتوحيد قوله وإن زنى وإن سرق، مع أن الأدلة كثيرة وإذا قيل من فعل كذا فقد أشرك أو كفر فهو فوق الكبائر، وما رأيت مني ما يخالف ما ذكرت لك فهو بمعنى الذي هو أخفى من دبيب النمل) اهـ وهذا صريح أن المصنف يرى أن الشرك الأصغر فوق الكبائر، وأن الكبائر نوع غير الأصغر، كما أنها نوع غير الصغائر، فكل نوع مستقل في الاسم والحكم،
إلاّ أنه ينبغي أن يُعرف أن الشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار: والاشتراك في الاسم مع الشرك الأكبر حيث كلاهما يطلق عليه اسم شرك، لا يدل على الاشتراك في الحكم، وصاحب الشرك الأصغر، يقال: فيه شرك ولا يقال من المشركين.
ومعنى قولنا:"لا يغفر"أي: لا يستره ولا يتجاوز عنه بل يحاسب ويناقش ويؤاخذ عليه، ولا يلزم منه دخول النار، فقد يعذب في القبر والبرزخ وعند الموت، أو في عرصات القيامة، أو يحبط ما يقابل الشرك الأصغر من الحسنات، بخلاف الكبائر فقد يغفرها اللَّه وقد لا يغفرها.
قال المصنف (أفادك فائدتين) هاتان الفائدتان هما:
1 -الفرح بفضل اللَّه ورحمته، وهذا من الفرح المحمود، واستدل المصنف على ذلك بقوله {قل بفضل اللَّه وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [2] .
(1) المرجع: مختصر رسالة الرد على البكري. والفروع فبن مفلح،
(2) يونس: 58.