والناهب، لكن قد جاء تقيد ذلك في موضعه ولا يسعنا الإطالة فيه، واعلم رحمك الله أن الألفاظ التي جاء تفسيرها وبيانها في القرآن والسنة لا يجوز أن تعارض بأقوال أهل اللغة وما تستعمله العرب من شواهد، ومن هذه الألفاظ لفظ الإيمان والإسلام والكفر، قال شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: ومما ينبغي أن يعلم أن الألفاظ التي ورد بيانها والتي هي موجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها وما أريد بها من جهة النبي صلى الله عليه وسلم، لم يحتج في ذلك إلى الاستدلال بأقوال أهل اللغة ولا غيرهم. انتهى. انظر كتاب الإيمان لابن تيمية. واعلم أن قول العالم ليس بحجة في الأصول إذا خالف، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وليس لأحد ان يحمل كلام الله ورسوله وفق مذهبه إذا لم يتبين مراد الله ورسوله، وإلا فأقوال أهل العلم تابعة لقول الله تعالى ورسوله، فإذا كان في وجوب شيء نزاع بين العلماء، ولفظ الشارع قد طرد في معنى، لم يجز أن ينقض الأصل المعروف من كلام الله ورسوله بقول فيه نزاع بين العلماء. انتهى.
قلت وهذا يدلك على حمل نصوص الوعد والوعيد على حسب فهمك القاصر، بل لا بد في الرجوع في ذلك إلى بيان الله ورسوله فإنه شاف كاف، واعلم أن أصل الإيمان يتجزأ ويتبعض، وأنه شعب كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم (الإيمان بضع وسبعون شعبة) وعليه فالشخص الواحد يجتمع فيه طاعة ومعصية وإيمان وفسق، وضل أهل البدع لأنهم جعلوه شيئا واحدا. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية. وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان من الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية وغيرهم أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه كما قال صلى الله عليه وسلم"يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان"رواه البخاري في كتاب الإيمان. فإذا ذهب بعض الإيمان ذهب سائره، فحكموا أن صاحب الكبيرة ليس معه شيئا من الإيمان. انتهى. ولهذا بوب الإمام البخاري في صحيحه في كتاب الإيمان باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: بني الإسلام على خمس وهو قول وفعل ويزيد وينقص، قال تعالى:"ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم"وقوله:"وزدناهم هدى""ويزيد الذين اهتدوا هدى"وقال:"والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ويزداد الذين آمنوا إيمانا"وقوله:"فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا"وقوله جل ذكره"فزادهم إيمانا"وقوله تعالى:"وما زادهم إلا إيمانا وتسليما"والحب في الله والبغض في الله من الإيمان، وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: (إن الإيمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا فمن استكملها فقد استكمل الإيمان ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان وإن أعش فسأبينها لكم وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص. وقال إبراهيم:"ليستيقن قلبي"وقال معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة. وقال ابن مسعود الإيمان اليقين كله) انتهى.