فهرس الكتاب
ومن حقه أنه أخبر أنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن حقه أن يحب أن يؤثره العطشان بالماء، والجائع بالطعام، وأنه يحب أن يوقى بالأنفس والأموال، كما قال سبحانه وتعالى: _ {مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ} [التوبة، آية، 120] .
فعلم أن رغبة الإنسان بنفسه أن يصيبه ما يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشقة معه حرام.
وقال تعالى مخاطبًا للمؤمنين فيما أصابهم من مشقات الحصر والجهاد: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب، آية 21] [1] ""
وإذا كانت محبة الرسول صلى الله عليه وسلم من أجل أعمال القلوب، وأفضل شعب الإيمان، فإن بغضه من أشنع الذنوب وأخطرها، لقد قال الله تعالى {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} [الكوثر، آية 3] فأخبر سبحانه أنه شانئه (أي مبغضه) هو الأبتر، والبتر: القطع، فبين سبحانه أنه هو الأبتر بصيغة الحصر والتوكيد، ومما قاله ابن تيمية عن هذه الآية الكريمة الجامعة:"إن الله سبحانه بتر شانىء رسوله من كل خير، فيبتر ذكره وأهله وماله، فيخسر ذلك في الآخرة، ويبتر حياته فلا ينتفع بها، ولا يتزود فيها صالحًا لمعاده ويبتر قلبه فلا يعي الخير، ولا يؤهله لمعرفته ومحبته، والإيمان برسله، ويبتر أعماله فلا يستعمله في طاعة، ويبتره من الأنصار فلا يجد له ناصرًا، ولا عونًا ويبتره من جميع القرب والأعمال الصالحة، فلا يذوق لها طعمًا، ولا يجد لها حلاوة، وإن باشرها بظاهره، فقلبه شارد عنها."
ولذا قال أبو بكر بن عياش: أهل السنة يموتون، ويحي ذكرهم، وأهل البدعة يموتون ويموت ذكرهم، لأن أهل السنة أحيوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لهم نصيب من قوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح، آية 4] ، وأهل البدعة شنأوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم فكان لهم نصيب من
(1) الصارم المسلول ص 421.