فهرس الكتاب
يقول ابن القيم عن هذه الآية: -"ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه في الخلق والرزق والإماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به في الحب والتأله والخضوع لهم والتذلل وهذا غاية الجهل والظلم، فكيف يسوى من خلق من تراب برب الأرباب؟ وكيف يسوى العبيد بمالك الرقاب؟ وكيف يسوي الفقير بالذات الضعيف بالذات، العاجز بالذات، المحتاج بالذات، الذي ليس له من ذاته إلا العدم، بالغني بالذات، القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأي حكم أشد جورًا منه؟ [1] "فإذا كانت التسوية بين الله تعالى وبين خلقه في عبادة من العبادات يعتبر شركًا وتنديدًا يناقض توحيد العبادة، فكيف بمن سوى حكم الله تعالى بحكم البشر؟
وعلى كل فإن الرضا بالله تعالى ربًا يوجب إفراد الله تعالى بالحكم واختصاصه تعالى بالأمر - قدرًا أو شرعًا - كما قال سبحانه: - {أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ} [الأعراف، آية 54] ، فالحكم بالطاغوت ولو في أقل القليل ينافي هذا التوحيد، فما بالك بمن سوى حكم البشر بالحكم الإلهي المنزل؟
(هـ) أن يجوز الحكم بما يخالف حكم الله ورسوله، أو يعتقد أن الحكم بما أنزل الله تعالى غير واجب، وأنه مخير فيه، فهذا كفر مناقض للإيمان، لتجويزه ما علم بالنصوص الصريحة القطعية تحريمه، حيث لم يعتقد وجوب إفراد الله تعالى بالحكم، وهو إن لم يكن جاحدًا لحكم الله، لكن ما دام أنه لا يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى وحده، وذلك بتجويز الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، فهذا كفر ناقل عن الملة. [2]
-يقول القرطبي: -"إن حكم بما عنده على أنه من عند الله تعالى، فهو تبديل له يوجب الكفر. [3] "
(1) الجواب الكافي ص 177، وانظر مفتاح دار السعادة 2/ 20، وطريق الهجرتين ص 296.
(2) انظر: فتاوى محمد بن إبراهيم 12/ 288،280، وأضواء على ركن من التوحيد لعبد العزيز بن حامد ص 43، وعمدة التفسير لابن كثير (تعليق لمحمود شاكر) 4/ 158، وفتاوى ابن باز 1/ 275، 137.
(3) تفسير القرطبي 6/ 191، وانظر تفسير الطبري 6/ 146.