فهرس الكتاب
ويوضح ابن تيمية هذه المسألة قائلًا: -"ولا ريب أن من لم يعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله على رسوله فهو كافر، فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه عدلًا من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر، فإنه ما من أمة إلا وهي تأمر بالحكم بالعدل، وقد يكون العدل في دينها ما رآه أكابرهم، بل كثير من المنتسبين إلى الإسلام يحكمون بعاداتهم التي لم ينزلها الله كسواليف البادية، وكأوامر المطاعين فيهم، ويرون أن هذا هو الذي ينبغي الحكم به دون الكتاب والسنة، وهذا هو الكفر."
فإن كثيرًا من الناس أسلموا، ولكن مع هذا لا يحكمون إلا بالعادات الجارية لهم التي يأمر بها المطاعون، فهؤلاء إذا عرفوا أنه لا يجوز الحكم إلا بما أنزل الله، فلم يلتزموا ذلك بل استحلوا أن يحكموا بخلاف ما أنزل الله فهم كفار، وإلا كانوا جهالًا. [1] ""
وبتأمل هذا النص لمهم، يظهر لنا أن من جوزوا الحكم بغير ما أنزل الله تعالى، وقد عرفوا ذلك فلم يلتزموا، فإن هذا يعتبر استحلالًا وردة عن الإسلام، ولو لم يتضمن تكذيبًا. [2]
ويقول أيضًا: -"ومن حكم بما يخالف شرع الله ورسوله، وهو يعلم ذلك، فهو من جنس التتار الذي يقدمون حكم الياسق على حكم الله ورسوله. [3] "
وإذا كان هذا الصنف من جنس التتار..، فكذلك هم من جنس اليهود عندما حكموا بما يخالف حكم الله تعالى وهم يعلمون ذلك، كما جاء مبينًا في حديث البراء بن عازب رضي الله عنه حيث قال: - مُرّ على النبي صلى الله عليه وسلم بيهودي محممًا [4] مجلودًا فدعاهم صلى الله عليه وسلم فقال: هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قالوا: نعم فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: أنشدك بالله الذي أنزل التوارة على موسى، أهكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ قال لا، ولولا أنك نشدتني بهذا لم أخبرك، نجده الرجم، ولكن كثر في أشرافنا، فكنا إذا
(1) منهاج السنة النبوية 5/ 130.
(2) انظر رسالة ضوابط التكفير ص 228.
(3) مجموعة الفتاوى 35/ 407، وانظر الفتاوى 27/ 58، 59، 28/ 524.
(4) أي مسودًا الوجه، من الحممة: الفحمة.