فهرس الكتاب
-إلى أن قال - لم يكن سؤالهم [1] عما احتج به مبتدعة زماننا، من القضاء في الأموال والأعراض والدماء بقانون مخالف لشريعة أهل الإسلام، ولا في إصدار قانون ملزم لأهل الإسلام، بالاحتكام إلى حكم غير الله في كتابه، وعلى لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، فهذا الفعل إعراض عن حكم الله، ورغبة عن دينه وإيثار لأحكام أهل الكفر على حكم الله سبحانه وتعالى، وهذا كفر لا يشك أحد من أهل القبلة على اختلافهم في تكفير القائل به والداعي إليه...
ولو كان الأمر على ما ظنوا في خبر أبي مجلز، أنهم أرادوا مخالفة السلطان في حكم من أحكام الشريعة، فإنه لم يحدث في تاريخ الإسلام أن سن حاكم حكمًا وجعله شريعة، ملزمة للقضاء بها، هذه واحدة، وأخرى أن الحاكم الذي حكم في قضية بعينها بغير حكم الله فيها، فإنه إما أن يكون حكم بها وهو جاهل، فهذا أمره أمر الجاهل بالشريعة، وإما أن يكون حكم بها هوى ومعصية، فهذا ذنب تناله التوبة، وتلحقه المغفرة. [2] ""
ولعل مما يؤكد ذلك:"ما أخرجه عبد بن حميد وأبو الشيخ عن أبي مجلز: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} قال: نعم، قالوا: - {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} قال: نعم، قالوا: فهؤلاء يحكمون بما أنزل الله؟ قال: نعم، هو دينهم الذي به يحكمون، والذي به يتكلمون، وإليه يدعون، فإذا تركوا منه شيئًا، علموا أنه جور منهم، إنما هذه اليهود والنصارى والمشركون الذين لا يحكمون بما أنزل الله. [3] "
فينبغي أن يفهم كلام أبي مجلز - وكذا كلام ابن عباس رضي الله عنهما - على ظاهره، وحسب مناسبته بلا غلو، ولا جفاء، فلا نكون كالخوارج الذين جعلوا مطلق المخالفة الشرعية كفرًا أكبر، وفي نفس الوقت لا نكون مع الطرف المقابل لهم ممن جعلوا رفض الشريعة وتنحيتها والإعراض عنها كفرًا أصغر، فلم يقصد ابن عباس - وكذا أبو مجلز - من أبى وامتنع عن الالتزام بشرع الله تعالى، وتحاكم إلى قوانين الجاهلية، فلم يكن في تلك القرون السابقة من يفعل مثل ذلك،
(1) أي النفر من الإباضية
(2) عمدة التفسير لابن كثير لأحمد شاكر 4/ 156 , 157 = باختصار.
(3) الدر المنثور للسيوطي 3/ 88.