وطوال فترة زمنية طويلة من تاريخ الفكر الاقتصادي كان موضوع نظرية القيمة وموضوع نظرية التوزيع هما الشاغل الأساسي والمحوري لعلماء الاقتصاد. ومازال الاعتقاد السائد بأن علم الاقتصاد السياسي قد بلغ سن الرشد عندما أحاط بهذين الموضوعين بطريقة منهجية في الجزء الأخير من القرن الثامن عشر.
وابتداء من نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى الرغم من عدم تسليم الاقتصاديين التقليديين بالتغير، فإن أهمية تحيد الأسعار أو نظرية القيمة والعوامل التي تحدد حصص التوزيع أخذتا في التراجع. حيث برز على السطح اهتمامات اقتصادية أخرى.
• وإلى جانب نظريتي القيمة والتوزيع، تبقي الأسئلة والأمور المحورية الأخرى، وفي مقدمتها كيف يجرى نشر أو تركيز الدخل الموزع مثل الأجور والفائدة والأرباح والريع؟ وما ينتج عن ذلك من تباينات اجتماعية على امتداد السنون. فطوال التاريخ الاقتصادي وجد الأغنياء وهم قليلون والفقراء وهم كثيرون. ومن ثم طرح السؤال التالي: ما السبب في أن تكون الحال كذلك؟
• كذلك بدأ اهتمام علم الاقتصاد، في العقود الأخيرة، بمحاولة الإجابة على التساؤل التالي: ما الذي يؤدى إلى التحسن أو النمو الاقتصادي أو تنشيطه، وعلى ما يسبب التقلبات - الدورية أو غير الدورية - في إنتاج السلع والخدمات؟
فقد بدأ الاهتمام بمسائل التنمية منذ الحرب العالمية الثانية، ومنذ ذلك التاريخ بدأ يظهر محور جديد من محاور النظرية الاقتصادية أو التحليل الاقتصادي. ولقد عرف الاقتصاديون الأوائل من أمثال آدم سميث ومن تبعه ثم كارل ماركس وأنصاره اهتماما عامًا بقضايا النمو بصفة عامة. غير أن الفارق الأساسي بين الأوائل والمحدثين هو أن هؤلاء الآخرين لم يهتموا بمشكلة تطور المجتمعات ونموها الاقتصادي بصفة عامة وإنما بأحوال التطور الاقتصادي لدول لم تستطع أن تشارك بشكل ملحوظ وفعال في التقدم الاقتصادي والتكنولوجي العالمي.
ولعل من الملاحظ أن الفكر الاقتصادي التنموي قد ولد في العالم الاقتصادي المتقدم، ومن أهم الأسماء في هذا الصدد"نركسو وأرثر لويس وهرشمان وموريس دوب وميردال"ولم تظهر مساهمات أصلية من مفكري دول العالم الثالث في مسائل التنمية إلا في فترة متأخرة نسبيا، واقتصرت بشكل عام على مساهمات أبناء من الهند وأمريكا اللاتينية.
• وتمضي الأسئلة المحورية ومنها: لماذا يكون من المتعذر في الاقتصاد إيجاد فرص عمل للأعداد الغفيرة من الراغبين في العمل؟ فالحديث عن البطالة في سنوات القرن التاسع عشر كان أمرًا نادرا، أما في سنوات القرن الماضي (العشرين) فتوفر فرص عمل كافية، كانت من المسائل المحورية في اقتصاديات هذا القرن. والتي سوف تبقى من المسائل المحورية في اقتصاديات القرن الحادي والعشرين، الذي نحن في عقده الأول.
• وأخيرًا، وبشكل أقل أهمية، هناك الظروف السياسية والاجتماعية التي تمضي فيها الحياة الاقتصادية. فماذا عن الرأسمالية وفعاليتها، والمشروع الحر، ودولة الرفاهية، والاشتراكية