فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 49

أوروبا الغربية والولايات المتحدة الأمريكية، تعرض الإطار الإنتاجي الجديد لهجوم شديد، وانتقادات لاذعة من جانب اقتصاديين ألمان وفرنسيين وأمريكيين، ففي بلدانهم كانت الأحوال الاقتصادية، أو الطروح الفلسفية، أو التعليقات الشخصية، تذكر الحقائق العظيمة النابعة من المسرح الاقتصادي البريطاني، واعتقادهم أن النظام الرأسمالي أو النظام الكلاسيكي أو نظام اقتصاد السوق كان بريطانيا أكثر مما ينبغي، وذلك بالنظر إلى أن بريطانيا كانت هي القوى الاقتصادية السائدة في العالم طوال القرن التاسع عشر، ومن ثم كان علم الاقتصاد في أغلبه ذا هوية بريطانية. ولكن كان الهجوم الكبير من جانب اقتصاديين أصبح يطلق عليهم اسم الاشتراكيين، وهم الذين تشككوا في سلامة القوة والدوافع والسلوك التي ارتبطت بالحيازة الخاصة للممتلكات، والسعي إلى إحراز الثروة. وقد وجد هؤلاء الاقتصاديون، وفي السنوات الوسطي من القرن التاسع عشر لانتقاداتهم وهجومهم، الجذور في التراث الكلاسيكي نفسه، وذلك انطلاقا من فكرة أن القيمة تجد أساسها في العمل والتي نادى بها ريكاردو، وفكرة فائض القيمة الذي يستولي عليه الرأسمالي بطريقة خادعة، والرأي القائل بأن كل الحصيلة من البضائع إنما تخص الأيدي العاملة التي تنتجها.

وعلى الرغم من كثرة الكتاب الذي انتقدوا وهاجموا النظام الرأسمالي، إلا أن هناك شخصية قد دفعتهم إلى الظل، وهى شخصية الألماني كارل ماركس (1818 - 1883) . وقد وصلت شهرته على المسرح الاقتصادي والتاريخي إلى درجة أن نعت المرء بأنه ماركسيًا في الدول الصناعية الغربية، وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية، فذلك يفيد استبعاده من الخطاب الراقي المحترم، ودمغه بعار شديد. وقد تأثر كارل ماركس فكريًا بالفيلسوف الألماني هيجل، ومن ثم كان مهيئًا لرفض التراث الكلاسيكي أو مفترضات النظام الرأسمالي التقليدي والحديث. فالاقتصاديون الرأسماليون يفترضون وجود توازن بين القوى المختلفة، لدرجة أن أصبح يسمي باقتصاد التوازن، والذي يقوم على أساس أن العلاقة الأساسية بين صاحب العمل والعامل، وبين الأرض ورأس المال والعمل، وهي العلاقة التي لا يمكن أن تتغير أبدًا، وإن حدث تغيير في المعروض من الأيدي العاملة أو من رأس المال، وهذا التغيير لا يؤدى إلا إلى توازن جديد ومماثل. وبحث وتحديد هذا التوازن النهائي هو جوهر علم الاقتصاد السياسي. كما أن من أساسيات النظام الاقتصادي التقليدي والحديث هو وجود قاعدة ثابتة لا تتغير، أيا كانت الاضطرابات أو الأزمات التي يتعرض لها النظام، وأن علم الاقتصاد يبحث ويثقل المعرفة بالمؤسسات الرئيسية والعلاقات الجوهرية الدائمة والباقية.

وكان والد كارل ماركس من أكبر المحامين في ترييه بألمانيا، والذي كان مرتبطًا بالمحكمة العليا. كما أن أسرة كارل ماركس من أصول أسرة يهودية عريقة، إلا أن والده، ومنذ مولد كارل ماركس، قد تحول إلى المذهب البروتستانتي. ويقال أن هذا التحول لم يكن راجعًا إلى عقيدة روحية، بل كان لأغراض سياسية، حيث لم يكن من السهل على والد كارل ماركس وهو في منصبه الرسمي في بروسيا أن يكون يهوديًا. من جهة أخرى، تزوج كارل ماركس من جيني فون فشتفالن ابنه البارون لودفيج فون فشتفالن، المواطن الأول في المدينة، وكان ذلك تمشيًا مع المكانة الاجتماعية المرموقة لكارل ماركس. وهكذا لم تكن نشأة كارل ماركس، مؤسس الفكر الشيوعي، توحي بانشقاقه الثوري العنيد.

من جهة ثانية، وقع كارل ماركس تحت تأثير جورج فلهلم فريدريك هيجل (1770 - 1831) ، ومن الفكر اليهجلي جاءت فكرة على أكبر قدر من الأهمية، وهى أن الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تكون دائمًا في حال تحول مستمر. وعندما يبرز كيان اجتماعي أو طبقة اجتماعية وتحتل الموقع الأول اجتماعيًا، لا تلبث أن يظهر كيان أو طبقة اجتماعية وقوة جديدة تنافسها وتتحداها. والمثال البارز لهذه الفكرة، هو بروز

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت