غير مستغلة استغلالا كاملًا بسبب النظام الإقطاعي ونظام الضرائب، لذلك أكد الطبيعيون على ضرورة إزالة كل تدخلات الحكومة وإتباع سياسة الحرية.
واستند الفلاسفة الإنجليز في دفاعهم عن نظام الحرية إلى الحقوق الطبيعية للفرد. فإذا كانت الحياة الجماعية تستدعي تنازل الفرد عن بعض حقوقه أو عن جزء من حريته الشخصية، إلا أن هذا التنازل يجب ألا يتعدى ما هو ضروري لتحقيق تمتع الفرد بباقي حقوقه الطبيعية في أمان وذلك باحترام القانون الذي يحافظ على الحقوق الفردية الطبيعية. فالدولة عليها أن تحافظ على الحقوق الطبيعية لمواطنيها وليس لها أن تستغل هذه الحقوق. وقامت فلسفة هؤلاء في المجال الاقتصادي على تمتع كل فرد بالعائد الكامل لعمله، والحد من تدخل الدولة في الشئون الاقتصادية للمجتمع وخاصة شئون الملكية. فليس للدولة أن تفرض ضرائب عالية أو تضع قيودا تعوق الحركة الطبيعية للنشاط الاقتصادي وليس لها أن تحدد الأجور أو الأسعار أو معدلات الفائدة أو الربح أو أن تمنح التزاما أو احتكارا لبعض رجل الأعمال لما في ذلك من جور على الحقوق الطبيعية للفرد.
أما رجال الأعمال فلم يناهضوا تدخل الحكومة في الشئون الاقتصادية قبل الثورة الصناعية لضيق السوق الداخلية وقيام نظام الطوائف. فقد كان السوق الداخلية تتمثل في سوق المدينة، وكانت كل طائفة تتولي تنظيم شئون حرفتها على نحو ملزم لأعضائها.
وفي مجال التجارة الخارجية كان تدخل الدولة أمرًا أساسيا نتيجة لضيق السوق، وضآلة حجم الأرباح، والمخاطر التي تتعرض لها الأرواح والممتلكات.
وفي مجال الإنتاج الصناعي كان تدخل الدولة أمرا معترفا به لما يحتاجه الاستغلال الصناعي من رؤوس أموال كبيرة غير مضمونة العائد في وقت لم يبلغ فيه التراكم الرأسمالي لدى الأفراد حدًا يمكنهم من تأسيس المشروعات الصناعية دون تدخل من الحكومة.
وقد تغيرت كل هذه الظروف باتساع الأسواق وزيادة رؤوس الأموال لدى التجار والصناع فاتساع الأسواق وفر للتجار والصناع عامل الأمان فتخلصوا من نظام الطوائف كما أدى إلى زيادة رؤوس الأموال المتراكمة لديهم. ومن هنا زادت طموحات التجار والصناع، وتجلت رغبتهم في تحمل المخاطر، وأصبحوا يشعرون بالكيان الفردي لكل منهم، وسرى تيار الفردية بينهم وبدأت المنافسة تأخذ وضعها في الأسواق ولم يكن لدى الحكومة الإدارة اللازمة لتحقيق الإشراف والتدخل في هذه الظروف المتطورة فوقع على عاتق الأفراد تنظيم شئونهم الاقتصادية في كافة المجالات.
لذلك كل الاتجاه السائد في القرن التاسع عشر هو مناهضة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي للتفرغ لمراعاة احترام القانون، وحفظ الأمن، والدفاع عن حدود الدولة ضد اعتداء الجماعات الأخرى. أما إنتاج السلع والخدمات بأقل التكاليف فهي وظيفة رجال الأعمال على أساس الحرية. فلا تدخل من جانب الدولة في النشاط الاقتصادي، ولا تدخل من رجال الأعمال في شئون الحكم. فالتدخل في النشاط الاقتصادي من جانب الحكومة يؤدى إلى البطء في اتخاذ القرارات السليمة بسبب جهل الأداة الحكومية بأصول الاقتصاد.
وهكذا، وجدت الحرية الاقتصادية بدايتها عند الطبيعيين كرد فعل في اتجاه مضاد، للتدخل الحكومي الذي نادى به التجاريون. فنظر الطبيعيون إلى الفرد على أنه اللبنة الأولى للنشاط الاقتصادي وإلى المصلحة على أنها حافز هذا النشاط. ومن هنا كان الاعتراف للفرد بحق تملك أدوات الإنتاج وتنظيم العمليات الإنتاجية على أساس المنافسة بين المنتجين. والفرد عندما يسعى إلى تحقيق منفعته الشخصية بمنافسة الآخرين يسعى في