الجهمية، ومن الشعوبية، بل من الزنادقة الذين كانوا يطعنون في الإسلام، وكلٌّ يدعو وله أتباع، والسنة وحملتها وأهلها في مواجهة جميع هذه الجبهات، وليس لهم قوة إلا اعتصامهم بالله، والحكام ما بين مشغول بحروبه، وما بين غارق في شهواته، وما بين إمام عادل لم يفسح في مدته، وما بين ضعيف عاجز عن نصرة الحق وأهله، فأي عذر لأبي عبيدة في الاختفاء؟!
4 -اعترف الظافر بأن أبا عبيدة استطاع أن يقيم ثلاث دول: الأولى في حضرموت واليمن على يد طالب الحق، والثانية في عمان على يد الجلندي بن مسعود، والثالثة في المغرب على يد أبي الخطاب المعافري. ونحن لا ننكر قيام هذه الحركات، ولكن تفاصيلها ومبالغة الإباضية في ربطها بأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة هي التي تستوقفنا. فحركة عبدالله بن يحيى طالب الحق - على سبيل المثال - التي يزعم الظافر أنها دولة أقامها أبو عبيدة في حضرموت واليمن، إنما هي حركة من حركات الخروج في الأطراف على الدولة الأموية في فترة ضعفها. وقد تحدث ابن جرير الطبري في"تاريخه" (8/ 237 و 267 - 269 و 288 - 296) في حوادث سنة (128 هـ - 130 هـ) عن هذه الحركة، فإن قبلنا كل ما أورده من طريق متهم بالكذب، أو مجهول، أو إسناد منقطع، فإن الأمر لا يعدو أنها حركة قام بها عبدالله بن يحيى طالب الحق، وتابعه الخارجي أبو حمزة، وتحركوا في تلك الأطراف التي يضعف فيها سلطان بني أمية في فترة ضعفهم؛ أعني اليمن وحضرموت، لكن بلغ بهم العجب بقوتهم إلى المسير إلى الحرمين مكة والمدينة مستغلين موسم الحج، فاستولوا عليها، فما كان من الحاكم الأموي مروان بن محمد إلا أن أرسل لهم قائده عبدالملك بن محمد بن عطية السعدي في قوة قوامها أربعة آلاف رجل، فانتزعوا منهم الحرمين، وقتلوا القائد أبا حمزة الخارجي، وساروا حتى وصلوا اليمن فالتقوا مع عبدالله بن يحيى طالب الحق فقتلوه، فأي دولة تلك التي يفنيها أربعة الآف؟!
ثم إذا كان أبو عبيدة أقام هذه الدول الثلاث، أما كان ذلك مدعاة لشهرته وظهوره، ولماذا يبقى في البصرة التي يعيش فيها على تخوُّف، ولا يذهب لإحدى هذه الدول حيث يأمن فيها ويظهر للناس؟!
وأما أبو الخطاب المعافري ودولته التي أقامها في المغرب، فهي نواة الدولة الرستمية التي سيأتي الحديث عنها في المقال القادم إن شاء الله تعالى.