ثالثها: إذا كان قصد الظافر من ردّه هذا قطع طريق هذه المقالات التي أنشرها بأسلوب علمي، وذلك بإثارتي لأدخل معه في مهاترات وخصومات، فتضيع الحجج، ونترك الهدف الأساس، ومحور النقاش - وهو"مسند الربيع بن حبيب"-، فأقول له:
هوِّن عليك! فالمقالات ستمضي، وستتلوها مقالات - إن شاء الله -، إلا أن يصرفني عنها مالا أستطيع دفعه، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
هذا وقد لمست من ردّ الظافر امتعاضه الشديد من مقالاتي، وبالأخص مقالي الأخير رقم (7) ، الذي ضيع عليه ما كان يؤمله وينتظره من ذكره للكتب المؤلفة عندهم في المذهب، والتي ظن بأنها معجزة القرن التي يستدل بها على وجود أبي عبيدة والوارجلاني والربيع و"مسنده". وهو بامتعاضه هذا لم يقابل الحجة بالحجة، وكنت أؤمل منه: الإمساك بكل دليل ذكرته، أو سؤال طرحته، ثم الجواب عنه، ولن يضره ذلك، كما أن بإمكانه الاستعانة بمن يرى فيه القدرة من علماء طائفته على الجواب على ذلك، فإن لم يمكنهم ذلك، فإما الرجوع إلى الحق، أو على الأقل: التمسك بما عليه أباؤهم وأجدادهم، و {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} ، ولا حاجة لسوء الأدب الذي يحرجه. علمًا بأن الظافر يمنع ما تجيزه طائفته لنفسها مع مخالفيهم؛ من التشكيك في صحة بعض الكتب، واتهام مؤلفيها بالجهالة، واتهام بعض العلماء في نقلهم عن الإباضية، وإليك الأمثلة:
1 -من المعلوم أن الإباضية انقسمت على نفسها، وافترقت إلى فرق، ومن الفرق التي يعترف الإباضيون المعاصرون بانفصالها عنهم:"النفاثية"- أو"النفاتية"- نسبة إلى نفات بن نصر النفوسي، وقد ظهرت من هذه الفرقة أقوال خالفوا بها سواد الإباضية وقتئذٍ بقيادة ابن رستم، ولما سئل بعضهم عن بعض معتقده قال:"هكذا وجدته في"الدفتر""؛ أي: الكتاب المسمى عندهم بهذا الاسم. فجاء أحد كتّاب الإباضية وكبرائهم ومنظِّريهم في هذا العصر، وهو علي يحيى معمر، فقال
في كتابه"الإباضية بين الفرق الإسلامية" (ص 267) :"وهذا الكتاب المسمى بالدفتر مجهول، ومؤلفه أيضًا مجهول". انظر"الإباضية عقيدة ومذهبًا"للدكتور صابر طعيمة (ص 58) .
2 -لما خرجت الخوارج على علي بن أبي طالب أرسل إليهم قبل القتال الحبر عبدالله بن عباس رضي الله عنهما لإقامة الحجة عليهم، والإعذار أمام الله تعالى في قتالهم، ورغبة في حقن دماء المسلمين، فجرت بين ابن عباس وبينهم مناظرات