مشوّشًا تائهًا! فهي قوى نبيلةْ من حيث غايتها وهدفها؛ ولكنها في الوقت نفسه مزيج غريب من قوى الشر (ضباع، خفافيش، فئران) وقوى الخير- أو هكذا يبدو لي- كالطوفان (وهو رمز ديني معروف) وخيول النار.
10 -"الشاعرُ بعد ألف سنة": بهذا المقطع يختتم الشاعرُ قصيدته، إن المتنبي ورغم اتحادهِ بالتراب لم يمتْ فلا زالَ:
"حصانهُ يصهل في المساءْ .."
يوقظُ في ذاكرةِ السنينْ
اللهبَ الأسودَ والحبَّ الذي يموتُ في ظلِ السيوفْ
عاصفًا حزينْ
عشرون جُرحًا
فتحت في صدرهِ فاها وصاحتْ
أشعلت في دمها النجومْ
وهو على أسوار بغدادَ وفي أسواقها يحومْ" (139) "
في هذا المقطع نحسُّ بشكلٍ خفي بذلك التماهي بين المتحدّث (البياتي) وشخصيّة الشهيد (المتنبي) وقد عمدَ الشاعرُ منذ بدايةِ قصيدتهِ إلى التعبير عن معاناتهِ الشخصيّة في الغربةِ والصدام مع السلطة- كما أسلفت- من خلال هذا المزج والتماهي بين شخصيتهِ وشخصيّة المتنبي! ويحسُّ القارئُ بذلك من خلال اختيار البياتي من بين كل المدن العربيّة لبغداد التي سيظلُ الشاعرُ الشهيّد يحوّمُ فوقَ أسوارها وأسواقها رافضًا الموت ... أو في المقطع الثامن مثلًا حينَ يوجه الشاعر الخطاب للعراقِ أيضًا ناعيًا المتنبي المقتول وغيرها من الأمثلة.
لقد قالَ لنا البياتي بشكلٍ ما إن المبدع يعيشُ حياتين! إحداهما في عصره وهي الأمرُّ، بما تحملهُ من ألمٍ وغربةٍ وما إلى ذلك، والأُخرى في العصور اللاحقه، فيصبحُ رمزًا انسانيًا؛ وبالتالي فالظلمُ والقهرُ زائلان والشاعرُ خالدٌ بقوّةِ روحهِ وفنّهِ.