الصفحة 60 من 99

والقصائد مرتبطة بعضها ببعض؛ إنها أقرب ماتكون لعملٍ ملحمي متكامل.

منذُ اللحظة الأولى لالتقاطنا المجموعة، وقراءة عنوانها يُحيلنا الشاعر إلى أبي الطيب عمومًا، وقصيدته المشهورة في شعب بوّان بشكل خاص، وتؤكد السطور الأولى من المجموعة هذا الأمر.

إن الذاكرة تأبى إلا أن تعودَ بنا إلى قصيدة المتنبي قبلَ أن تفسَحَ لنا مجالًا لندخلَ عالم محمّد عُمران:

مغانى الشعب طيبًا في المغاني ... بمنزلةِ الربيعِ من الزمان

ولكنَ الفتى العربي فيها ... غريب الوجهِ واليدِ واللسان

ونستذكرُ ذلكَ المكان البهيج عند شيراز الذي مَرّ بهِ المتنبي غدوةً، فرآهُ أحد جنان الدنيا بمنازلِهِ الجميلة وشجره المثمرِ، ونداه وظلاله، ومياهه الوفيرة؛ حتى خشي الشاعرُ أن تحرنَ الخيلُ فلا تطاوع على السير رغمَ كرمِ أصلها ...

ونتذكّرُ أن المتنبي رغمَ كل ذلك البهاء والجمال الخلابِ من حولهِ شعر أنه -وهو الفتى العربي- غريب بكلٍ معنى الكلمة .. فأهلِ تلك البلادِ أعاجم ولايتحدّثون العربيّة، وهو مجهولٌ بينهم، ولاأملاكَ أو مالَ لديهِ في منطقتهم كما أن عاداتهم لاتشابهُ عاداتِ أهلهِ، فلو كانت هذهِ المغاني في دمشق لثنى عنان جوادهِ رجلٌ عربيٌ وقدّمَ لهُ فروض الكرمِ والضيافةِ، بقلبٍ شجاعٍ على القِرى غير بخيلٍ، لأن البخل جبنٌ، لكنهُ بعيدٌ عن بلاد العرب الآن.

وشعبُ بّوان في نظر المتنبي مكان جميل يعبرهُ إلى غايتهِ، حيثُ سيصلُ إلى عضد الدولة؛ وليس الشعبُ غاية لذاتِهِ.

فما الذي يُريُده محمّد عمران من هذا الشعب؟ هل هو عندهُ ذلك المكان المنفرج بين جبلينِ قريبًا من شيراز .. أم أنهُ غوطة دمشق؟ أم غابات الفرلّق على الساحل السوري؛ أو أنهُ سوى ذلك جميعًا؟ ولماذا شعبُ بوّان تحديدًا؟ هل هو غاية في مجموعةِ الشاعرِ؟ أم أنه معبرٌ إلى شيء ما؟

ولن يكون لنا أن نصلَ إلى إجابة عن أسئلتنا هذهِ إلا إذا مشينا مع الشاعرِ"دخولًا .. دخولًا"ابتداءً"ببوّان"وانتهاءً"بالبحرِ"كما أراد لنا؟

يبدأُ الشاعر (الدخول الأوّل بوّان) محاولًا مُباشرةً التوحيد بين تجربته وتجربة المتنبي من خلالِ استخدامهِ ضمير المفرد المتكلّم؛ والعمل على إعادةِ تشكيل وبناء حجارة بعضِ أبياتِ قصيدة"شعب بوّان"بصورة جديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت