ويتاح لهُ ذلك في بعض المواضع ولكنُهُ يخفقُ في أكثر من مكان (145) ، حتى إذا خرج من دائرة تلكَ القصيدة رُحنا نُحسُّ أنه أكثر حُريّة وطلاقة .. وإذا شعب بّوان مكانٌ أليفٌ محبب، والشاعر لايشعرُ أنه غريب فيه:
".. لاغريب الوجهِ،"
هذي يدي التُرابُ، لساني
يقظةُ الصحو في عروق الحجارة
أقرأُ النسغ في خلايا التُراب، العشبِ
في الماء، أقرأُ الفرحَ المكنون فيها" (146) "
وإذا بوّان الجديدُ بحرٌ، وكتابٌ:
"بوّان بحرٌ، كتابٌ"
أحمر الضوء، أحمر المرج، حبرٌ
غجريٌ، بوّان قافية الأرض
خميرٌ في خبزها الوحشي" (147) "
ثُمّ يصبحُ بوّان في نظر الشاعر صندوق دنيا يعرض أمام بصرهِ شريطًا طويلًا متداخلًا من التاريخ:
"وبوّان صندوق الدنيا"
إرم ذات العمادْ
ذاك شدادُ بن عاد يزحم الأبوابَ،
حشدٌ من عبادْ
يفتحون الأرضَ. أوديبُ على صهوة طيبهْ
يشنقُ المغولَ. وهذا قيدرٌ
يعقرُ الناقةَ، هذا يوسفٌ
يتعرّى من قميص الحسن في كفِّ زليخا"148"
ولايقف الشريطُ هنا، بل يستمرُ ليرى الشاعرُ بلقيس وموسى وبابل وسدوم وغيرها، إلى أن يقول:
"السماءُ السابعهْ"
ترتمي خالًا على الخدِ،
العصور،
الزمن الغائبُ والحاضر أهدابٌ على
العينينِ، والأرضُ شفهْ"149"
بعدَ كل ذلك سينتابنا شعورٌ مفاده أن شعب بوّان الجديد ليسَ مكانًا فيزيائيًا محسوسًا عند عمران؛ إنه شيءٌ آخر؛ إن الشاعر يدخلُ- ويدخلنا- إلى مكان ذي مراتب متتالية .. متصاعدة.