فهرس الكتاب
ويمكننا أن نميز في التناصيات نوعان رئيسيانهما التناص الذاتي والتناص الخارجي.
التناص الذاتي هو الذي يحدث بين نص سابق للكاتب وبين نص جديد لاحق له، أي تناص مع ذاته ونفسه. ونجد ذلك عند معظم الأدباء والشعراء. فمثلًا نلاحظ أن للروائية أحلام مستغانمي تناصًا واضحًا ذاتيًا يتجلى في أسوبها السردي المتميز، واستخدامها الغني للصور والاستعارات والتشبيهات بشكل وافر يصل حد الثراء. ويتجلى أسلوبها كذلك في اللغة المفعمة بالحيوية، و بالخطاب النفسي الذي يكشف كشفًا تامًا عن كل عيوب وأخطاء أبطال روايات مستغانمي، وعن نقاط ضعفهم وقوتهم، ويجعل القارئ يشعر وكأنه متواطئ مع أبطال الرواية شريك لهم فيما يفعلونه وما يشعرون به، وكأن معصم الكاتبة مستغانمي ويدها التي تسطر الرواية هي ذاتها يد القارئ. إن هذه السمات موجودة في ثلاثية مستغانمي ذاكرة الجسد وفوضى الحواس وعابر سبيل بشكل واضح مما يجعل نصوص الكاتبة حاضرة ومتداخلة ومتفاعلة فيما بينها على الدوام، وذلك من أشكال التناص الذاتي.
وفي الشعر نجد مثلًا التناص الذاتي جلي وواضح عند شعراء العصر القديم والحديث على حد سواء. فمن القدماء مثلًا نلاحظ أن شعر البحتري يتسم بالرقة والسلاسة وعذوبة الألفاظ وانسياب الأصوات، وكأنها خرير ماء حريري الصوت، وهي سمات وصفه بها النقاد القدماء، وميزوه بها عن غيره من الشعراء. وفي العصر الحديث نلتفت إلى نزار قباني فنلمح مباشرة التناص الذاتي لديه في اختياره للخطاب اللاذع، وتكراره لبعض الألفاظ مثل لفظ"سيدتي"، وكذلك في استخدامه لأسلوب الاستفهام والنداء في شعره، والحضور القوي"للأنا"لديه، مما دعى البعض لاتهامه بالنرجسية، بالإضافة إلى عدة سمات نزارية في الأفكار والمواضيع، والصور، والمعاني التي لا يخطئها أي قارئ مطلع.
أما التناص الخارجي فهو يحدث في تفاعل نص الكاتب أو الشاعر مع غيره من الأدباء والشعراء القريبين منه والمعاصرين لعصره، أو السابقين له من القدماء. ونجد الصنف الأول في الغالب عند الشعراء أو الأدباء الجدد والقليلي الخبرة، في محاولاتهم الأدبية الأولية، فهم بطبيعة الحال أقرب إلى معاصريهم وأكثر قراءة لهم وأشد تأثرًا بهم، لذلك يكون الاقتباس والاستشهاد والمحاكاة لهم أكثر وضوحًا وحضورًا. أما الشعراء والأدباء المتمرسون، ذوو الباع الطويل في الإبداع الأدبي، فنجدهم أكثر تبحرًا في أدب القدماء