فهرس الكتاب
وأخيرًا ولكن ليس آخرًا أسوق المقولة التالية لعملاق آخر في قائمة المفكرين العرب القدماء، ألا وهو ابن خلدون، حيث يقول ناصحًا الشعراء لكي تنضج ملكتهم الشعرية وتُشحذ مواهبهم:"الحفظ من جنسه، أي من جنس شعر العربحتى تنشأ في النفس ملكة ينسج على منوالها ... ثم بعد الامتلاء من الحفظ وشحذ العزيمة للنسج على المنوال يقبل النظم، وبالإكثار منه تستحكم ملكته وترسخ، وربما يقال: إن من شروطه نسيان ذلك المحفوظ لتمحى رسومه الحرفية الظاهرة، إذ هي صادة من استعمالها بعينها، فإذا نسيها، وقد تكيفت النفس بها، انتقش الأسلوب فيها، كأنه منوال يأخذ النسج عليه بأمثالها ... فذلك أجمع له، وأنشط للعزيمة أن تأتي بمثل المنوال الذي حفظه." [1] وهنا نلاحظ التوازي بين فكرة التناص من حيث أنه تشابك وتداخل نسيجي توحيه كلمة"intertextuality"الإنكليزية ذات الأصل اللاتيني، وبين استخدام ابن خلدون لتشبيه الكتابة الشعرية بالنسج على (ذات) المنوال.
يقول د. عبد الملك مرتاض عن نص ابن خلدون أنه"يندرج ضمن نظرية التناص المبكرة عند العرب، وإذا لم يطلق الشيخ عليها مصطلح التناص، فذلك لا يعني أنه كان غير واع بنظرية التناص، التي فتن الناس بها في العصر الحاضر، فلقد كان يمارس في الكلام صميم التنظير لهذه المسألة، كما كان متفهمًا لها، فلقد انتهى إلى أنه على الأديب أن يقرأ كثيرًا، ويحفظ أكثر، ثم ينسى ذلك ويتناساه ليستقر في لا وعيه، فيغترف منه لدى الكتابة، فيظن أنه جاء بالجديد كل الجديد، بينما هو لا يعدو كونه صورة لمقروءاته ومحفوظاته .." [2]
وهكذا نجد أن التناص كمفهوم كان موجودًا وحاضرًا في أذهان النقاد والمفكرين العرب القدماء ولكنهم لم يعطوه حقه من الدراسة والتحليل العلمي ولم يوصّفوه ويميزوا بين أشكاله وطرقه، ولم يطلقوا عليه اسمًا محددًا، ما خلا ما اندرج تحت باب السرقات الأدبية، الذي أدخل العديد من أشكال التناص الظاهرة والخفية تحت سقفه، أو ما كان في باب المعارضات الشعرية والنقائض، والتي هي أيضًا من أشكال التناص الأدبي.
(1) ابن خلدون، المقدمة الفصل 55 ص 1197
(2) عبد الملك، مرتاض. مجلة الموقف الأدبي-دمشق، العدد 330،1989. ص 17