فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 175

يتميز الشعر بظاهرة الترادف بأشكاله المختلفة، وبالمبالغات في الوصف باستخدام ألفاظ متعددة تتفاوت في معانيها رغم تشابهها ظاهريًا، فمثلًا قد يعبر عن الحب في اللغة العربية بألفاظ مختلفة قد تبدو متماثلة بالمعنى إلا أنها في الواقع ذات دلالات ارتقائية قد لا يعرفها كل من اضطلع بالترجمة. والأمر على نفس الشاكلة بالنسبة للغة المنقول إليها. والترادف كما ذكرت كثير الورود في الشعر وخاصة في الشعر العربي، فالعربي يميل إلى الإطناب والمبالغة والتكرار في كلامه. ومن ذلك قولنا:"نرفع لكم أسمى التهاني وأرفع التبريكات وأجمل التمنيات بدوام السعادة والسرور والهناء."في عبارة كهذه قد يقف المترجم حائرًا في إيجاد كلمات مماثلة ذات دلالات مقابلة للألفاظ المتشابهة الواردة فيها بهذا الشكل المتتابع.

ومن المعروف أن اللغة العربية تعتبر من أغنى لغات العالم وأكثرها قدرة على التعبير المبين الفصيح الذي لا لبس فيه، ويكفي أن نعرف على سبيل المثال أن هناك"52 اسمًا للظلام و 150 اسمًا للسحاب و 64 اسمًا للمطر و 170 اسمًا للماء و 255 اسمًا للناقة" [1] ، بالإضافة إلى العشرات من الأسماء للسيف والفرس والأسد والصحراء وغير ذلك إلى ما لايحصى من الأسماء والأفعال. فكيف ينقل المترجم هذه الثروة الهائلة من الألفاظ إلى لغة لا تملك سوى حفنة من المفردات المقابلة لها، وخاصة في حالة التكرار في نفس القصيدة أو في نفس البيت الشعري الواحد أحيانًا.

ومن نماذج تلك المترادفات ما نجده في معلقة لبيد بن ربيعة حيث يقول:

"باتتْ وأسْبَلَ واكِفٌ من ديمةٍ ... يُروي الخَمائِل دائِمًا تَسْجامُها"

رُزِقَت مرابيعَ النجومِ وصابَها ... ودْقُ الرواعدِ جودُها فرِهامُها

مِن كلِّ ساريةٍ وغادٍ مُدْجِنٍ ... وعَشيةٍ متجاوبٍ إرزامُها" [2] "

في الأبيات السابقة وردت ألفاظ متعددة من معاني السحاب وأنواعها وأشكال المطر، فالديمة هي الغيمة المستمرة المطر لفترة طويلة ومتتابعة، والودق اسم للمطر وهوهنا مصحوب بالرعد، أما الجود فهو المطر الذي يرضي أهله، والرهام هي المطرة اللينة، والسارية هي سحابة الليل الماطرة

(1) ديداوي، محمد. علم الترجمة بين النظرية والتطبيق. سوسة: دار المعارف للطباعة والنشر 1992 ص 21.انظر أيضًافريحة، أنيس. نحو عربية ميسرة بيروت: دار الثقافة 1955.

(2) المعلقات العشر وأخبار قائليها. جمع وتصحيح الشيخ أحمد الأمين الشنقيطي، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط 3 1993، ص 81 - 85

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت