فهرس الكتاب
فصاحة اللفظة المركبة
وتنطبق الشروط الثمانية في فصاحة اللّفظةِ المفْردَةِ على فصاحةِ الألفاظ المركبة فالشرط الأول منها أن يكون تأليف اللفظة من حروفٍ متباعدةِ المخارج وهذا بِعينه في التأليف أو الألفاظ المركبة. فالفصيح من اللفظ المؤلف ما لا تتكرر فيه الحروف المتقاربة المخارج من مثل قول الشاعر:
لو كنت كنت كتمتُ الحب ... كنت كما كنا، ولكن ذاك لم يكن
وهو كلام بيِّنُ القُبْح ومثْلَه قولُ الآخر:
وقبرُ حربٍ بمكانٍ قفرُ ... وليسَ قُرُبَ حربٍ قبرُ
فمبنى من حروف متقاربة ومكررة، ولهذا يثقل النطق به حتى يزعم بعض الناس أنه من شعر الجن وكذلك مثل قول الآخر:
لم يَضِرْها والحمدُ لله شيءٌ ... وانثَنَت نحو عَزْفِ نَفْسِ ذَهُولٍ
فإنْ النصف الثاني من هذا البيت يثقل التلفِّظُ به وسَماعُه لما فيه من تكرر حروف الحلق.
ومن الثاني إلى الخامس أمور متعلقة بالألفاظ في الإفراد والتركيب معا. وأما الخامس وهو المفصل بالموافقة لقواعد اللغة فهي في التركيب أو التأليف تكون الموافقة لقواعد الإعراب فيُرفَعُ المرفوعُ وينصب المنصُوب .. وهكذا.
ومما يتصل بهذا الضمائر وعودها على المألوف والسابق، وأما عدولها عن ذلك فيذهب بشطر من الفصاحة كقول الشاعر:
فتاتَان أمَّا مِنْهما فشبيهَةُ الهلال ... وأُخرى مِنْهُمَا تُشْبِهُ البَدْرَا
فتاتَان بالنَّجم السَّعيدُ وُلدْتُمَا ... ولَم تلْقيا يومًا هوانًا ولا نَحْسَا
فالفرق بين قوله وُلِدْتُما وَوُلِدَتا وهو الصحيح مَزيَّة واضِحةٌ، والكلام الثاني كالمنقطع عن الأول.
ومن محاسن التأليف وضع الكلام مواضعه من العبارة دون إخلال في التقديم أو التأخير بدون داع في معنى العبارة، بل قد يكون ذلك مما يفسد المعنى كقول الشاعر:
وما مثله في الناس إلاّ مملكًا ... أبو أمِّهِ حيَّ أبوهُ يقارِبُه
ففي هذا البيت من التقديم والتأخير ما قد أفسد معناه، وذلك بسبب فساد إعرابه لأن مقصوده:
وما مثله في الناس حي نقاربه ... إلا مملكا أبو أمه أبوه