(1) أولها استعارة الحسي للحس كما جاء في الحديث الشريف (ضموا مواشيكم حتى تذهب فحمة العشاء) فاستعار للعشاء الفحمة للسواد، لن الفحمة ها هنا أظهر للحس من الظلمة، فإن الظلمة تدرك بحاسة البصر فقط والفحمة تدرك بحاستي البصر واللمس. ومنها أيضًا قول امريء القيس:
وليل كموج البحر أرخى سدوله ... عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فقلت له لما تمطى بصلبه ... وأردف إعجاز وناء بكلكل
ألا أيها الليل الطويل إلا انجلى ... بصبح وما الإصباح منك بأمثل
فقد استعار الشاعر لظلمة الليل السدول المرخاة، لما بين المستعار والمستعار له من صفة مشتركة هي منع الإبصار من الإبصار، وفائدة هذه الاستعارة هي نقل الخص إلى الأظهر لأن السدول يدرك بحاستي البصر واللمس والظلمة تدرك بالبصر، ثم قال بأن حبل السدول مرخاة لن ذكرها بدون هذا القيد لا يوفي بالمعنى الذي قصده من منع الرؤية لما وراءها.
وكذلك في البيت الثانية في تمطي بصلبه، فاستعار لليل صلبا يتمطى به استعارة من الناقة، وفي استعارة أردف إعجازا، وناء بكلكل أيضا كلها من الناقة وهي تبرك. ومنها استعارة فعل للحركة في مثل قول الشاعر:
ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسحُ
وشُدت على حُدْبِ المهار رِحَالُنَا ... ولم يَنْظُر الغَادِي هو رائحُ
أخذنا بأطرافِ الأحاديثِ بيننا ... وَسَأَّلَتْ بأعناق المطي الأباطحُ
ففي البيت الثالث استعارة التبادل الأحاديث بن ركب المسافر الفعل أخذ بأطراف كأنهم يتجاذبون شيئا بينهم، يربطهم معا كرباط الحبل مكل يأخذ بطرف وهو رباط الألفة.
فأحاديث الركب المتجاورين المتآلفين، كالخيط والحبل يجمعهم، ويربطهم برباط المودة، وكذلك استعارة لكثرة أعناق الإبل، وهي تندفع متدفقة بالوادي فعل سال من السيل الدافق من أعالي الجبل غير الشعاب إلى الأباطح.
وفي الاستعارتين حس، نرى الحس الأول مدركا بالسمع لحس مدرك بالبصر واللمس به، وفي الثانية ترى مدركين بالبصر لأن حركة السيل مدركة بالبصر وكذلك حركة الناق المطى.
وتكون استعارة معقول لمعقول كقوله تعالى (مَنْ بعثنا من مرقدنا هذا) فقد استعار الرقاد للموت، وهما أمران معقولان، والجامع بينهما السكون والاستعارة هنا أبلغ لأن الرقاد وهو النوم شيء واقع في حياة كل إنسان كل يوم، فهو أظهر من الموت، كما أن الاستيقاظ أظهر من الأحياء والبعث.