فهرس الكتاب

الصفحة 185 من 248

ضاحي المحيا للهجير وللقنا ... تحت العجاج تخاله محراثا

فلعنة الله على المحراث ههنا، ما أقبحه وأردأه وأين هذا كله من قوله المليح البديع:

أو ما رأت بردى من نسيج الصَّبا ... ورأت خِضَاب الله هو خضابي

وإن كان إنما اخذه من قول الله عز وجل (صبغه الله ومن أحسن من الله صبغة) قال: يريد الختان وقيل: الفطره.

السر في استعارة اللفظ: والاستعارة من اتساعهم اقتدارا وهذا ليس ضرورة لأن ألفاظ العرب أكثر من معانيها وليس ذلك في لغة أحد من الأمم غيرهم، فإنما استعاروا مجازا واسعا ألا ترى، أن للشيء عندهم أسماء كثيرة وهم يستعيرون له مع ذلك؟ على أننا نجد أيضا اللفظة الواحدة يعبر بها عن معان كثيرة نحو (العين) التي تكون جارحة وتكون الماء وتكون الميزان وتكون المطر الدائم الغزير وتكون نفس الشيء وذاته وتكون الدينار وما أشبه ذلك كثير وليس من ضيق اللفظ عليهم ولكنه من الرغبة في الاختصار والثقة بفهم بعضهم عن بعض ألا ترى إن كل واحد من هذه التي ذكرنا له اسم غير العين أو أسماء كثيرة

ومما اختاره ابن الإعرابي وغيره قول أرطأة بن سهيَّة:

فقلت لها يأم بيضاء إِنَّنِي هُرِيقَ ... شَبابي واستشَن أديمِي

قال هريق شبابي لما في الشباب من الرونق والطراوة التي هي كالماء: ثم قال استشن أديمي لأن الشن هو القربة اليابسه فكأن أديمه صار شيئا لمَّا هريق ماء شبابه فصحت له الاستعارة من كل وجه ولم تبعد. ومثل ذلك في الجودة ما اختاره ثعلب من جماعة ممن قبله، وهو قول طفيل الغنوى:

فوضعت رجلي فوق ناحيه ... يقتات شحم سنامها الرجل

فجعل شحم سنامها قوتا للرجل وهذه الاستعارة كما تراها كأنها الحقيقة لتمكنها وقربها وقد تناولها جماعة منهم كلثوم بن عمرو العتابي قال في قصيدة يعتذر فيها إلى الرشيد:

ومن فوق أكوار المهارى لبانه ... أحل لها أكل الذرى والغوارب

ثم أتى أبو تمام وعول على العتابي وزاد المعنى زيادة لطيفة بينه فقال:

وقد أكلوا منها الغوارب بالسرى ... فصارت لها أشباحهم كالغوارب

وكان ابن المعتز يفضل ذا الرمة كثيرا ويقدمه بحسن الاستعارة والتشبيه لاسيما بقوله:

فلما رأيت الليل والشمس حيه ... حياة الذي يقضي حساشه نازع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت