فهرس الكتاب
التدريب الأول
1 -من كتاب"إلى ولدي"- للدكتور أحمد أمين
أي بني: إني لأشفق عليك من زمنك، الذي نشأت فيه، فقد كان زمن من قبلك هادئا، مستقرا، تجرى شئونه على وتيرة واحدة، وأملنا في المستقبل أن يكون زمنا هادئا، مستقرا كذلك. أما زمنك هذا فقلق، مضطرب، حائر، كفر بالقديم، ثم لم يجد جديدا يؤمن به.
فقد كانت الأمور في زماننا سائرة سيرا منتظما، وإن لم يكن حسنا ولا كاملا، كان من تحدثه نفسه بالرشوة يخشى أن يفتضح أمره، ونزول العقوبة به، وكان من يقصر في عمله ينال العقوبة على تقصيره، وكان الطالب إذا طاف به طائف من الإضراب، أو الخروج على أمر الأستاذ فكر طويلا قبل أن يقدم، وقلَّ أن يقدم.
وكان الناس يخشون أن ينحرفوا - ولو قليلا - عن الأوضاع المألوفة، والتقاليد الموروثة، خوف أن ينقدهم ناقد، أو يعيرهم معير، ثم زال كل هذا الخوف، وتحرر الناس من كل هذه القيود، ولكن لا يستقيم أمر الناس مع هذه الفوضى، ومع هذه الحرية التي لا حد لها، وإنما استقام الأمر في الأمم الراقية مع زوال هذا الخوف، لأن الشعور بالواجب حل محل الخوف، وتبادلا لعطف بين الشعب، والحكومة حل محل الرعب، والاستبداد، وتحكيم العقل فيما ... يصلح، وما لا يصلح من الأوضاع، والتقاليد حل محل الطاعة العمياء، وهذا - للأسف - ما لم نصل إليه بعد.