فهرس الكتاب
استعمال تلك الصيحات للاتصال بين جنسه، قبل أن تكون وسيلة للتفكير كانت في الواقع وسيلة للفعل، وراح الإنسان يوسع في شأن هذا الاختراع وكان تقدم الجهاز الصوتي يسير بنفس الخطى مع تقدم المخ البشري، وكان أعضاء كل مجتمع يلتزمون في احتفالاتهم الجماعية بنفس الأصوات والصرخات والصياح، ثم بفضل الاتساع المتزايد في العلاقات والتبادل الاجتماعي تَكَوَّن أخيرا هذا الجهاز المعقد ليكون وسيلة للتعبير عن كل العواطف والأفكار.
النقد:
ولكن ... في الواقع فإن مسألة أصل الكلام تختلط بمسألة أصل الإنسان داخل الجماعات البشرية حيث نشأ الكلام بالتدريج مسايرا لتطور دماغ الإنسان ومخه، ومن المستحيل أن نقول في أي صورة بدأ الإنسان يتكلم؟!!، ولكن من الممكن أن نحاول تحديد الظروف التي سمحت للإنسان بأن يتكلم وهي ظروف نفسية واجتماعية في نفس الوقت.
· موقف علم اللغة الحديث من هذه القضية:
يتحدد موقف علم اللغة الحديث في هذه القضية في نظرته إلى اللغة باعتبارها ظاهرة اجتماعية، ولا بد أن نفرق في تاريخ اللغات بين أمرين:
الأول: وهو أصلها ومن المحال أن نهتدي إليها، وليس من العلم أن نخمن في أي صورة بدأ الكائن الحي الإنساني يتكلم؟
الثاني: وهو التغيرات التي طرأت على اللغة وهو ما ينبغي البحث فيه دون النظر إلى القضية الأولى.
إذا كان البحث التاريخي قد حدد التغيرات التي طرأت على الكلام، فإن من العدل أن نقرر بأن كثيرا من ألفاظ اللغة العربية - وليس كلها - يمكن أن ترد إلى أصوات الطبيعة فمن أسماء الحيوانات الزرزور والقطا والهدهد والديك واللقلق، ومن المصادر النعيق لصوت الضفدع والخور لصوت البقر والحفيف لصوت الشجر والزئير لصوت الأسد ... الخ.
ومن الأفعال غنى وترنم وقط وقص وجر وحب ... الخ. فهذه غيرها في الألفاظ بين مسمياتها صلة صوتية على أن هذا معناه أن الأصوات الطبيعية هي الصورة الأولى الأصلية التي بدأت عليها اللغة العربية مثلا، ولا ينبغي للمؤرخ إلا أن يسجل هذه الظاهرة ولا يتخطى بنظره إلى أصل اللغة الغامض المجهول.