فهرس الكتاب

الصفحة 227 من 248

بشعرهم البتة، ولعل دفع القدماء في هذا حرصهم على أن تكون اللغة نقية وخالية من اللحن والخطأ.

وبالرغم من حسن نية القدماء إلا أن المحدثين لا يستطيعون التسليم بموقفهم وذلك للأسباب التالية:

1 -أن احتجاج القدماء بأشعار الطبقتين الأولى والثانية دون يرها مع الأخذ في الاعتبار ما في لغة هؤلاء من فصاحة وبيان، إلا أن أشعار هاتين الطبقتين لا يمكن أن تعبر عن الحيز الزماني والمكاني الذي قيلت فيه، وبالتالي ستكون أشعارهما قاصرة على التعبير عن أي مستوى من مستويات التطور اللغوي سواء كان صوتي أو نحوي أو دلالي .. الخ، في أي حيز زماني أو مكاني خارج عن دائرة الطبقتين.

ولذا فلابد أن تهتم بشواهد أخرى من اللغات السامية، ومن تلك اللهجات العربية المختلفة واللهجات السوقية والعامية التي قد تكون اكثر إسهاما في خدمة اللغة العربة، والإعانة على فهمها من شواهد اللغة العربية الفصحى نفسها.

2 -ترتب على اعتماد القدماء على شعر الجاهلية وصدر الإسلام دون غيره أن باتت اللغة فقيرة في قواعدها وأسسها، لأنها انحصرت في لغة أهل البادية دون الاهتمام بلغات الأقوام المتمدنين التي تعبر عن أحوالهم في شتى مجالات حياتهم الفكرية والدينية والفلسفية والعلمية.

3 -لم يتنبه القدماء إلى انه قد يكون في شعر القدماء من الجاهلية وأصحاب صدر الإسلام أشعار منحولة موضوعة نسبت إليهم، ودست عليهم، وعلى سبيل المثال فإن لامية العربة التي استشهدوا بكثير من أبياتها، وذكرها التفات بأنها مصنوعة نسبت للشنفرى، كما حذر ابن سلام صاحب كتاب"طبقات الشعراء"من قضية الوضع والتدليس في الشعر، ولا يحق لمعترض أن يقول إنه كانت هناك أشعار موضوعة منحولة فإنها قد جاءت ريبة من لغة ومستوى فصاحة الطبقتين الأولى والثانية، وهذا كلام خاطئ لأن هؤلاء المنتحلين يقعون في حيز زماني وربما مكاني يخرج بهم من دائرة الاحتجاج الذي حددوه لأنفسهم، داخلين ضمن عصور فساد اللغة كما يزعم القدماء، فمعظمهم هؤلاء المنتحلين من المعاصرين لشعراء الطبقة الرابعة التي رفض القدماء الاحتجاج بلغتهم.

4 -كما أن القدماء في روايتهم للشعر الجاهلي وصدر الإسلام لم يتحروا الدقة في الكشف عن قائل هذه الأبيات الشعرية، ولذا فهم يحتجون بأبيات لم يعرف قائلها، ومن هذا مثلا ما استشهد به الكوفيون الجواز إدخال اللام عل خبر لكن"ولكنني من حبها لعميد"واحتج عليهم البصريون بأن هذا البيت لا يعرف قائله أو الشطر الثاني منه، وبالرغم من معارضة البصريين للكوفيين في ذلك، إلا أننا نجد أن البصريين أنفسهم لم يلتزموا بهذا المنهج الدقيق في كل أبحاثهم، فمقلا كتاب سيبويه رأس وإمام البصريين

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت