منابر من نور عن يمين الرحمن جل وعلا، وكلتا يديه يمين ... »؛ فلا يصح أن يقال: وكلتا قدرتيه يمين، أو نعمتيه!!
فإذا بطل هذا القول؛ وجب الانقياد والإذعان لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فلا يصف الله أحد من البشر أعلم من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد وصف ربه كما وصف الله به نفسه؛ بأن له يدين، وهاتان اليدان حقيقيتان؛ فيجب إثباتهما لله تعالى؛ إثباتا بلا تمثيل، وتنزيها بلا تعطيل؛ فالله جل وعلا: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى: 11] .
ثم إن ابن الجوزي أراد أيضا حمل مجيء وإتيان الرب جل وعلا على معنى (بر) و (لطف) ، وهذا خلاف مذهب السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان؛ فإن السلف يثبتون لله تعالى الإتيان والمجيء على ما يليق بالله جل وعلا؛ قال تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22] ، ومن قال في هذه الآية: جاء بره ولطفه؛ فقد ألحد في آيات الله تعالى، وحرف الكلم عن مواضعه؛ كتحريف اليهود.
وقول السقاف معلقا على قول ابن الجوزي المتقدم في تأويل المجيء والإتيان؛ قال: «وقد ثبت كما قدمنا أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أول قول الله تعالى: {وَجَاءَ رَبُّكَ} بمعنى: جاء ثوابه؛ كما هو ثابت عنه بالإسناد الصحيح في (البداية والنهاية» : تعلق بما هو أوهى من ببت العنكبوت.
ومذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم لا يتأولون مجيء الرب بمجيء ثوابه؛ كما أنهم لا يتأولون الرحمة بإرادة الإنعام، ولا المحبة بالرضى أو علامة القبول، ولا الساق بالشاة، وما نقل عن أحمد رحمه الله فيما يخالف ذلك؛ كالذي نقله البيهقي وابن كثير، واحتج به الجهمي السقاف؛ يجاب عنه من وجوه:
الوجه الأول: قيل: إن ذلك من رواية حنبل عنه، وحنبل ينقل عن أحمد رحمه الله ما لا ينقل غيره، بل ينقلون خلافه.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في «مختصر الصواعق» (ص: 395) : «إن حنبلا تفرد بها عنه، وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه، و إذا تفرد بما خالف المشهور عنه؛ فالخلال وصاحبه عبد العزيز لا يثبتون ذلك رواية، وأبو عبد الله بن حامد وغيره يثبتون ذلك رواية، والتحقيق أنها رواية شاذة