فهرس الكتاب
إليها، وأجدر الكدر والظلمة منها، وأجد ضيق الصدر وعد انشراحه مقرونا بها.
فكنت كالمتحير المضطرب في تحيره، المتململ من قلبه في تقلبه وتغيره، وكنت أخاف من إطلاق القول بإثبات العلو والاستواء والنزول؛ مخافة الحصر والتشبيه.
ومع ذلك؛ فإذا طالعت النصوص الواردة في كتاب الله وسنة رسوله؛ أجدها نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني، وأجد الرسول صلى الله عليه وسلم قد صرح بها مخبرا عن ربه واصفا له بها، وأعلم بالأضرار أنه كان يحضر في مجلسه الشريف العالم والجاهل والذكي والبليد والأعرابي الجافي، ثم لا أجد شيئا يعقب تلك النصوص التي كان صلى الله عليه وسلم يصف بها ربه- لا نصا ولا ظاهرا- مما يصرفها عن حقائقها ويؤولها كما تأولها هؤلاء- مشايخي الفقهاء المتكلمون-؛ مثل تأويلهم الاستواء بالاستيلاء، والنزول بنزول الأمر ...
وغير ذلك من، ولم أجد عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يحذر الناس من الأيمان بما يظهر من كلامه في صفة لربه من الفوقية واليدين وغيرهما؛ مثل أن ينقل عنه مقاله تدل على أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها؛ مثل فوقية المرتبة، ويد النعمة، وغير ذلك ... ».
وذكر كلاما، ثم قال: «فلم أزل في هذه الحيرة والاضطراب من اختلاف المذاهب والأقوال، حتى لطف الله بي، وكشف لهذا الضعيف عن وجه الحق كشفا اطمأن إليه خاطره، وسكن به سره، وتبرهن الحق في نوره، وأنا أصف بعض ذلك إن شاء الله تعالى» .
فذكر رحمه الله اعتقاده في مسألة العلو ومسألة الفوقية ومسألة الاستواء.
ثم ختم رحمه الله كلامه بقوله: «فرحم الله عبدا وصلت إليه هذه الرسالة ولم يعالجها بالإنكار، وافتقر إلى ربه في كشف الحق آناء الليل وأطراف النهار، وتأمل النصوص في الصفات، وفكر بعقله في نزولها، وفي المعنى الذي نزلت له، وما الذي أريد بعلمها من المخلوقات، ومن فتح الله قلبه؛ عرف أنه ليس المراد إلا معرفة الرب بها، والتوجه إليه منها، وإثباتها له بحقائقها وأعيانها؛ كما يليق بجلاله وعظمته؛ بلا تأويل ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ولا جحود ولا وقوف، وفي ذلك بلاغ لمن اعتبر، وكفاية لمن استبصر» .