وقال ابن الجوزي على قوله تعالى: {إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللّهُ} [البقرة: 210] ؛ قال:
«كان جماعة من السلف يمسكون عن الكلام في مثل هذا، وقد ذكر القاضي أبو يعلي عن أحمد؛ أنه قال: المراد به قدرته وأمره» . قال: «وقد بينه في قوله تعالى: {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل:33] » .
-أقول:
قد تقدم الجواب عما نقل عن أحمد من التأويل، وأنه إما غلط أو شاذ مخالف لما ثبت عنه بالنقول الصحيحة من إثبات المجيء لله تعالى.
ثم إن تأويل مجيء الرب بمجيء أمره: لا يصح، وصرف للآيات بغير دليل ولا برهان، وهذا من أعظم التحريف والإلحاد؛ فلو كان المراد بالمجيء مجيء أمر الرب؛ ليبينه الله تعالى؛ كما في قوله تعالى: {أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ} [النحل: 33] ، ولكن لما قال: {وَجَاءَ رَبُّكَ} [الفجر:22] ؛ دل على إثبات المجيء لله تعالى، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء.
وقد دلت السنة على إثبات المجيء لله تعالى كما دل على ذلك الكتاب:
ففي «صحيح البخاري» (13/ 419 - فتح) و «مسلم» (رقم 182) عن أبي هريرة رضي الله عنه؛ أن الناس قالوا: يا رسول الله! هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هل تضارون في القمر ليلة البدر؟» .
قالوا لا يا رسول الله! قال: «فهل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟» . قالوا: لا يا رسول الله! قال: «فإنكم ترونه كذلك: يجمع الله الناس يوم القيامة، فيقول: من كان يعبد شيئا فليتبعه. فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس، ويتبع من كان يعبد القمر القمر، ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت، وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها، فيأتيهم الله، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا؛ فإذا جاء ربنا؛ عرفناه. فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون أنت ربنا. فيتبعونه ... » .
وتأويل المجيء بمجيء الأمر تأويل محدث مبتدع، لم يقله النبي، ولا أحد من الصحابة رضي الله عنهم.
وقول ابن الجوزي: «قال أحمد بن حنبل: وإنما صرفه إلى ذلك أدلة العقل؛