فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 131

ولا بد من حمل استواء الرب على العرش على الحقيقة، وهكذا سائر صفات الرب جل وعلا، وهذا أمر متفق عليه بين علماء السلف.

قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله في «التمهيد» (7/ 145) : «أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز؛ إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك، ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع الجهمية والمعتزلة كلها والخوارج؛ فكلهم ينكرها، ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة، والحمد لله ... » .

وكلام السلف في هذا الباب كثير، وحاصله أنه لا نزاع بينهم في أن الرب جل وعلا مستو على عرشه استواءً حقيقيا، وأطلق بعضهم أنه مستو على عرشه بذاته [1] ، وهذه اللفظة لم ترد لا في الكتاب ولا في سنة صحيحة؛ فتمر الأحاديث كما جاءت، فنعتقد أن الله تعالى مستو على عرشه استواءً حقيقيا.

والأحاديث صريحة في أن الله مستو على العرش بذاته؛ إلا من هذه اللفظة لم ترد؛ فمن أطلقها؛ إنما أراد بها الرد على الجهمية والمعطلة والمفوضة، الذين ينكرون استواء الرب جل وعلا على عرشه استواءً حقيقيا، وإطلاقها في هذا الموطن لا شيء فيه؛ لقمع المبتدعة الضالين، ولأن المعنى يقتضي ذلك؛ فقطعا إذا قيل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] ؛ فالخبر عن المعنى لا عن اللفظ؛ كما هو معلوم عند أهل التحقيق، ومن لم يطلقها؛ فقد وقف مع النصوص، مع إقراره بأن الأحاديث الصحيحة في إثبات استواء الله على عرشه صريحة في ذلك، والله أعلم.

(1) ونقل الطلمنكي الإجماع على ذلك، وقد تقدم قوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت