نحن لا نتكلّم عن حكّام المسلمين؛ فهؤلاء فرغنا منهم، شدّينا عليهم «السيفون» ، ولكن نتكلّم عن المسؤولين عن الأعمال في الحركة الإسلاميّة؛ هؤلاء وللأسف الشديد، ونقولها بوضوح: ليسوا عند المسؤوليّة، ولا عند الحدّ الأدنى من تولّي هذه الأعمال.
ونحن مِن خلال التجربة؛ كنّا أحيانًا نقف أمام خيارين:
-إمّا أن نترك الموقع خاليًا مِن أيّ مسؤول؛ ذلك أنّنا لا نجد مَن عنده الصفات اللّازمة كي يتأهّل لهذا الأمر.
-أو أن نوظّف في هذه المهمّة أو في هذا المنصب رجلًا هو مِن باب: أدعى للتفضيل، ونحاول أن نرفع من كفاءته في هذه الجوانب.
كثيرًا ما كنّا نختار الخيار الثاني؛ لأنّ (عليًّا) -رَضِيَ الله عَنْهُ- يقول: «لا بدّ للنّاس مِن إمرة، برّة كانت أو فاجرة.» ، وهذا ليس في كلّ المناصب و المهمّات؛ أحيانًا يكون مِن المفيد أن تترك منصبًا خاليًا مِن أيّ مسؤول، خيرًا مِن أن تضع فيه أقل مِن المستوى؛ لأنّ هذا سيفسد في مكان هذا أكثر مما يصلح، إذًا ليست قاعدة مطّردة، ولكن الذي دفعنا إلى القول بهذه الحقيقة أمران:
-الأمر الأوّل؛ أنّ أي مسؤول عن أيّ مسؤوليّة أو مهمّة، سواء كانت كبيرة أو صغيرة، إذا جاءته نفسه يومًا وتحدّثه؛ كي يشمخ، وتقول له: ما شاء الله؛ أنت الآن تأمر فَتُطاع! أنت الآن وراءك الأتباع والأشياع! هنا عليه أن يذكّرها أنّه إنّما هو أمير اضطرار، إنّما هي الضرورة التّي جعلتنا نجعله في هذا الموضع، والضرورات كما أجمع العلماء: تبيح المحظورات، و الذي أباح أكل الميتة: هو الذي أباح إمرة هذا الإنسان، إذًا لا داعي لشموخ نفس أيّ مسؤول.
-الأمر الثاني؛ هو أن يجعل هذا الشعور مِن نفسه زادًا؛ كي يكمّل ما عنده مِن نقص، خاصّة في العلوم الأساسيّة، ولا يخلو أحد منّا مِن هذا الأمر، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله، وعليه أن يتمّم هذا النقص، كما في الحديث الذي رواه (الخطيب البغدادي) : «إنّما العلم بالتعلّم وإنّما الحلم بالتحلّم» ، وقوله عزّ وجلّ: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69] ، وقال سبحانه: {اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [الشورى: 13] ، وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُ وا مَا بِأَنفُسِهِمْ} [الرَّعد: 11] ، فليجتهد كلّ امرئ ابْتُلِيَ بشيء من الأمانة والمسؤوليّة ولو كانت صغيرة، ليجتهد في تكميل نفسه في هذا الباب، ورحلة الألف ميل: تبدأ بخطوة، وكما قال - صلى الله عليه وسلم - رواية عن ربّه في الحديث القدسي: «وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتّى أحبّه، فإذا أحببتُه: كنتُ سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ورجله التي يمشي بها، ويده التي يبطش بها، ولئن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأعيذنّه.» [رواه (البخاري) ، و (الدارقطني) ] ، وكلّما سار المسؤول شوطًا في هذا الباب مِن تكوين نفسه وتهذيبها: كان أقدر على أداء الوظائف الأساسيّة،