وهذه الوظائف -كما قدّمنا منذ قليل-: لا تختلف مِن مسؤول إلى آخر، وهي ذات الأسماء الأربعة كما قلنا: تخطيط العمل، ثمّ تنظيم العمل، ثمّ توجيه الأفراد، ثمّ المراقبة والمتابعة.
والمتأمّل في أسباب قصور الأداء، في أيّ موقع أو في أيّ مسؤوليّة؛ لا بدّ وأنّه سيكتشف في النّهاية: أنّ المسؤول عن هذا الموقع؛ إنّما قد أهمل القيام بأداء هذه المهمّة، وأصل الدّاء: التقصير في هذا الأمر، وأهمّه هو هذا الجانب الذي سنتكلّم فيه في هذه الدّورة بعون الله تعالى، وهنا لعلّنا نلحظ مِن هذا الدّاء العضال الذي نحياه؛ داء التأخّر وعدم التوفيق، هذا مرض له أعراض؛ مِن أعراضه الشائعة مثلًا: أنّك تجد مسؤولًا في موقع كائنًا مَن كان: يتحرّك بطريقة عشوائيّة قبل أن يحدّد بوضوح ماذا يريد، ومن ثمّ تكون النتيجة الطبيعيّة لهذا: أنّه يضيّع وقته ووقت إخوانه في أعمال: قد لا تكون ذات فائدة؛ للوصول للهدف الذي تسعى إليه الجماعة المسلمة، ويترك الأعمال الهامّة المفيدة؛ وذلك بسبب أنّه قد أهمل التخطيط للعمل قبل الشروع في تنفيذه؛ لهذا شاع عند الإداريّين مقولة تقول: «هذا رجل فكّر ثلاثة وعشرين ساعة، وعمل ساعة واحدة.» هل إنجازه أكبر مِن هذا الذي عمل ثلاث وعشرين ساعة وفكّر ساعة واحدة؟ أيّهما أكثر إنتاجًا؟ قالوا: إنّ هذا الذي فكّر وخطّط ثلاثة وعشرين ساعة، وعمل ساعة واحدة: إنجازه هذا أكثر مِن هذا الذي عمل ثلاثة وعشرين ساعة، وفكّر ساعة واحدة. إذًا قضية تحديد الأهداف: هدف استراتيجي أو بعيد كما يقولون، تُقسم إلى أهداف مرحلية قريبة كما يقولون، وكل هدف من هذه الأهداف: تُحدَّد له الوسائل، وكيفية القيام بها على الطريقة التي سنذكرها بتفصيل في الفصل القادم.
-صورة أخرى أو مظهر آخر من هذا العرض: كثيرًا ما تجد مسؤولًا قد وضع الأعباء كلها فوق كتفيه، وظن أن أحدًا مِن إخوانه ليس كفئًا للقيام بأي منها؛ فهو وحده الذي يعرف، وهو وحده الذي يحتسب، وهو وحده الذي يدرس العلوم الشرعية، وهو وحده الذي يقدّم الخدمات المختلفة، وهو وحده الذي يقوم بالواجب الاجتماعي، وهو وحده الذي يقوم بالواجب الرياضي، والجانب الثقافي، والجانب التثقيفي، إلى آخره، بل إني أعرف أحد الإخوة -عافانا الله وإياه- أنه في موقعه يقوم بكل شيء، حتى تنظيف دورات المياه! ذلك أنه يقول: لا أجد كفئًا لأداء هذه الأعمال!
إذًا النتيجة الطبيعية وهي المنطقية أيضًا: أن يتعطل، أو تتعطل كثير من الأعمال، ثم يتوقف العمل بالكلية: بعد أن تنهار قوى صاحبنا هذا تحت هذا العبء الكبير، والسبب واضح؛ فإنه لم يتعلم أن دوره هو: تنظيم العمل، وتوزيع الأعباء، وتوجيه وتعليم إخوانه كيفية التنفيذ، بدلًا من أداء كل شيء بنفسه.