فهرس الكتاب
إذًا لا بأس بأن يقوم صغار القادة ببعض المهام التنفيذية، شريطة ألا تشغلهم عن مهامهم الإدارية, بل ينظمون أوقاتهم ويوزعونها بين هذا وذاك, وكذلك لو كان أمير وحدةٍ أكبر قد قام بأعماله الإدارية بمتابعة الأمراء والمسؤولين الذين أسفل منه, ووجد بعض الوقت: فيمكن أن يساعد مسؤولًا في وحدةٍ أقل منه؛ بأن يخطط له, وينظم له, ويوجه الأفراد, يمكن أن يحدث هذا بحيث لا يقصر هذا الأخ في أداء مهمته كمسؤول, بحيث لا يحدث خلطٌ في التنظيم الإداري, بمعنى أن الأفراد الذين في المجموعة الصغيرة لا يتلقون الأوامر من مسؤولهم المباشر ويتلقون أيضًا من المسؤول المباشر لأمره, هذان شرطان ضروريان.
لهذا كان سيدنا (عمر) وكان أميرًا للمؤمنين، وتحت سلطته رقعةٌ واسعةٌ من الأرض، كان يقوم بمهامه كقائد عام للدولة المسلمةِ الكبرى، وتحت إمرته قادة الجيوش، وأمراء البلدان، وخزانُ بيتِ المال، وغيرها من الوظائف الإدارية المختلفة، وما كان يقصر في متابعة أيٍّ من هذه الوظائف، وكان في ذات الوقت: تراه قد خرج في حر الظهيرة يبحث عن بعيرٍ من إبل الصدقة قد ضاع حتى يجده، ويرده إلى بيت المال، حتى قال عنه (عثمان بن عفان) -رَضِيَ الله عَنْهُ-: «لقد أتعبت مَن يأتي بعدك يا أمير المؤمنين!» ورآه يومًا جالسًا يطلي بالقار -الزفت- بعض إبل الصدقة من جربٍ أصابها، فقال له: يا أمير المؤمنين، «يكفيك هذا عبدٌ من عبيد الصدقة!» فقال (عمر) -رَضِيَ الله عَنْهُ-: «وأي عبدٍ أعبد من (عمر) ؟!»
انظر إلى هذه النفس الشريفة، صاحبة الهمة العالية، وكيف لم يأنف وهو أميرُ المؤمنين وتحته قادة البلدان وأمراء الجيوش وخزان بيت المال، ولم يأنف أن يجلس على الأرض يطلي بعيرًا بالقار، مع أن هذا: ليس من عمله، بل ولا من عمل القادة الذين يلونه، ولا من عمل الذين أسفل منهم، بل هو من عمل عبدٍ مملوكٍ من عبيد الصدقة! وما كان فعله هذا -رَضِيَ الله عَنْهُ- ليشغله أو يصرفه عن مهامه العظام، بل كان يعطي هذا حقه وذاك حقه، وهكذا هو طيلة نهاره، حتى إذا جن الليلُ ونام الخَلقُ، فليلُ أمير المؤمنين شطران؛ شطرٌ يتحسس فيه أخبار الرعية، ليطمئن أن خطرًا لا يتهددهم، وأن شيئًا لا يؤرق مضاجعهم, حتى إذا كان ليلةً -رَضِيَ الله عَنْهُ- إذا هو بامرأةٍ في أطراف المدينة وقد بكى صغارها جوعًا تشكو إلى الله أمير المؤمنين (عمر) ، فيسألها وهي لا تعرفه: وما علم أمير المؤمنين هذا؟ فقالت: يَلِي أمرنا وينسانا؟ فقام -رَضِيَ الله عَنْهُ- إلى بيت المال ومعه أحد أصحابه، فحمل زيتًا ودقيقًا على ظهره، فذهب صاحبه يحمل عنه، فقال: ويلك! أتحمل عني وزري يوم القيامة؟! حتى أتى المرأة فطبخ لها ولصغارها، فأكلوا وشبعوا وناموا، هنا آن لأمير المؤمنين أن ينصرف بعد أن اطمئن أن أحدًا من رعيته: لا يكدره شيء ولا يعوزه شيء، هذا شطر ليله الأول، أما شطر ليله الثاني؛ فيقوم فيه بين يدي ربه، خاشعًا متبتلًا، تسألني: ومتى ينام إذًا أمير المؤمنين؟ فاستمع إليه وهو يبكي ويقول -رَضِيَ الله عَنْهُ-: إن نمتُ نهاري؛ أضعت