فهرس الكتاب
[1107] ذَكَرَ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: =لاَ تُنْكَحُ الثَّيِّبُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلاَ تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وَإذْنُهَا الصُّمُوتُ+.
الإسناد:
زَادَ الْبُخَارِيُّ فيه عن عَائِشَةَ: =قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحِي؟ قَالَ: رِضَاهَا صُمَاتُهَا+.
[1108] وذَكَرَ حديث مَالِكٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ: =الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ+.
وحديث عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ هذا، لم يُدْخِلْهُ الْبُخَارِيُّ؛ لأنهما رجلان:
أحدهما: مِنْ وَلَدِ الْعَبَّاسِ.
والثاني: مِنْ وَلَدِ أَبِي لَهَبٍ.
وشَرَطَ الْبُخَارِيُّ أَلاَّ يُدْخِلَ عن مجهول، ولا محتملٍ، وإنما يُدْخِلُ عن مُعَيَّنٍ.
وقد عُيِّنَ هذا؛ فَأَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْخِلَعِيُّ، أَخْبَرَنَا ابْنُ النَّحَّاسِ، حَدَّثَنَا حَمْزَةُ، أَخْبَرَنَا النَّسَائِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الرِّبَاطِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عن ابْنِ إسْحَاقَ، حَدَّثَنِي صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ رَبِيعَةَ، عن نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ، أن رسول الله * قال: =الأَيِّمُ أَوْلَى بِأَمْرِهَا، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ في نَفْسِهَا، وَإذْنُهَا صُمَاتُهَا+. وكذلك رَوَاهُ شُعْبَةُ.
ورَوَاهُ الجماعة عن مَالِكٍ: =وَالبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ+. وشُعْبَةُ حافظ ثَبْتٌ.
ورَوَى عن نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، عن النبي *: =لَيْسَ لِلْوَلِيِّ مَعَ الثَّيِّبِ أَمْرٌ، وَالْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ، وَصَمْتُهَا إقْرَارُهَا+. ولم يَسْمَعْ صَالِحٌ من نَافِعٍ.
[1109] وفي رواية مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، (عن أَبِي سَلَمَةَ) ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي *: =تُسْتَأْمَرُ الْيَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإنْ صَمَتَتْ فَهْوَ إذْنُهَا، وَإنْ أَبَتْ فَلاَ جَوَازَ عَلَيْهَا+.
وذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ: =فَإنْ بَكَتْ+. ولم يَصِحَّ.
وثَبَتَ عن النبي * أنه قال: =اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبْضَاعِهِنَّ. قِيلَ:
فَإنَّ الْبِكْرَ تَسْتَحْيِي، فَتَسْكُتُ؟ قَالَ: هُوَ إذْنُهَا+.
ورَوَى أَبُو دَاوُدَ: =وَآمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ+. خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
ورَوَى النَّسَائِيُّ عن ابْنِ عَبَّاسٍ، أن النبي * قال: =الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا، وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا في نَفْسِهَا، وَإذْنُهَا صُمَاتُهَا+.
ورَوَى أيضًا عن عَائِشَةَ: =أَنَّ فَتَاةً دَخَلَتْ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إنَّ أَبِي زَوَّجَنِي (مِنِ ابْنِ) أَخِيهِ؛ لِيَرْفَعَ بِي مِنْ خَسِيسَتِهِ، وَأَنَا كَارِهَةٌ. فَقَالَتْ: اجْلِسِي حَتَّى يَأْتِيَ النَّبِيُّ *. (فَجَاءَ النَّبِيُّ *) ، فَأَخْبَرَتْهُ، فَأَرْسَلَ إلَى أَبِيهَا فَدَعَاهُ، فَجَعَلَ الأَمْرَ إلَيْهَا، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَدْ أَجَزْتُ مَا صَنَعَ أَبِي، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَعْلَمَ أَلِلنِّسَاءِ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ+.
وكذلك رَوَى أَبُو دَاوُدَ: =أَنَّ النَّبِيَّ * خَيَّرَ امْرَأَةً بِكْرًا زَوَّجَهَا أَبُوهَا+.
الأحكام:
قال الإمام الحافظ: هذه المسألة فَرْعُ التي قبلها، لا إذا لم يَكُنْ للنكاح وَلِيٌّ، وكانت المرأة التي تَتَوَلَّى عَقْدَ نكاحها، فهذه الأحاديث مُتَأَوَّلَةٌ تأويلًا بعيدًا، وإن كان الْعَقْدُ على الْبُضْعِ لِلْوَلِيِّ، فالأحاديث على ظاهرها.
وقد جَاءَ في الحديث من العربية لفظ: =الأَيِّمُ+، و=الثَّيِّبُ+.
فأما الثَّيِّبُ: فهي التي ثَابَ إليها الرجل، أي: وَصَلَ.
وأما الأَيِّمُ: فهي التي لا زوج لها، وَصَلَ إليها الرجل، أم لم يَصِلْ، قال الله ـ سبحانه وتعالى ـ: × (#qكsإ3 Rr&ur 4 yJ"t'F $# َOن3Zد B÷. وقد يُسْتَعْمَلُ في الرجال والنساء. في الحديث: =آمَتْ حَفْصَةُ مِنْ زَوْجِهَا، وَآمَ عُثْمَانُ مِنْ رُقَيِّةَ+."
وقال أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ:
أَيِّمٍ مِنْهُمْ وَنَاكِحِ
للهِ دَرُّ بَنِي عَلِيٍّ
إنْ لَمْ يُغِيرُوا غَارَةً شَعْـ ... وَاءَ تُجْحِرُ كُلَّ نَابِحِ
فَدَلَّ على أنها التي لا زوج لها، بِكْرًا كانت أو ثَيِّبًا، بالغًا أم غير بالغ.
تأويل:
إذا ثَبَتَ هذا، فإن المراد بِالأَيِّمِ في هذا الحديث: الثَّيِّبُ التي قد خَرَجَ عنها حُكْمُ زوج سابق بالطلاق، الكبيرة، المالكة لأمر نفسها. والدليل عليه أن النساء قسمان:
بِكْرٌ. وثَيِّبٌ. وكل قِسْمٍ منهما قِسْمَانِ:
بالغ. وغير بالغ. فَصَارَتْ النساء بهذه الصورة الخَلْقِيَّةِ أربعة أقسام:
بِكْرٌ صغيرة. ثَيِّبٌ كبيرة. بِكْرٌ كبيرة. ثَيِّبٌ صغيرة. لا يَصِحُّ أن يكون لها خامس.
فأما الْبِكْرُ الصغيرة، فلا خلاف بين المسلمين أن أباها يُزَوِّجُهَا، ولا يَلْتَفِتُ إليها، إذ ليس فيها مُلْتَفَتٌ.
وأما الثَّيِّبُ الكبيرة، فلا خلاف في أنها أَحَقُّ من وَلِيِّهَا بنفسها في رِضَا النكاح. واخْتَلَفَ الناس هل تَعْقِدُهُ على نفسها دون وَلِيِّهَا، فَأَبُو حَنِيفَةَ ومَنْ يَرَى في ذلك رَأْيَهُ جَهِلُوا الشريعة قرآنًا وسُنَّةً، وقد مَهَّدْنَا ذلك في الباب قَبْلَ هذا.
ومَذْهَبُهُمْ يُؤَدِّي إلى أن يَكُونَ هذا القول في هذا الحديث لَغْوًا؛ لأن كلمة =أَحَقُّ+ ـ وهي أَفْعَلُ ـ تُوجِبُ الاشتراك بين الثَّيِّبِ والْوَلِيِّ، وأَنَّ حَقَّ الثَّيِّبِ أكبر، ومَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ (يُوجِبُ نَفْيَ الشَّرِكَةِ) بين الْوَلِيِّ والمرأة، وأَنْ يَكُونَ الحق كله لها. والقرآن والسُّنَّةُ والْعِبْرَةُ تَرُدُّهُ، وقد بَيَّنَّا
ذلك في مواضع كثيرة.
وأما الْبِكْرُ البالغة، فَاخْتَلَفَ الناس فيها، فَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِطَرِيقَيْنِ:
أحدهما: ما رُوِيَ: =أَنَّ فَتَاةً بِكْرًا زَوَّجَهَا أَبُوهَا، فَرَفَعَتْ إلَى النَّبِيِّ * أَمْرَهَا، فَخَيَّرَهَا+.
والثابت في هذا الحديث: =أَنَّ ثَيِّبًا+. وهي معروفة خَنْسَاءُ بِنْتُ خِدَامٍ. فأما رواية الْبِكْرِ، فضعيفة. والحديث يُعَضِّدُهَا والمعنى.
أما الحديث، فقوله: =الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا+. معناه: لكونها ثَيِّبًا، يَرِيدُ: قد عَرَفَتْ مقاصد النكاح، فإن شَاءَتْهُ عَقَدَتْهُ، وإن كَرِهَتْهُ تَرَكَتْهُ. والْبِكْرُ لا معرفة لها به، (فلا رَأْيَ لها فيه) ، وبهذا المعنى يَسْتَقِيمُ لفظ الحديث ومعناه؛ لأنه لو كان المراد برواية من رَوَى: =الأَيِّمُ+ الْبِكْرَ، لَتَكَرَّرَ الكلام، وفَسَدَ النظام.
وإذا كان معنى =الأَيِّمُ+ الثَّيِّبَ ضَرُورَةً، كان معناه أيضًا: الثَّيِّبُ أَحَقُّ بنفسها من وَلِيِّهَا في رِضَا النكاح، والْبِكْرُ [وَلِيُّهَا] أَحَقُّ، لكنها يُسْتَحَبُّ اسْتِئْمَارُهَا، ولو كانت الْبِكْرُ البالغ لا تُزَوَّجُ إلا بِرِضَاهَا، والثَّيِّبُ البالغ كذلك، لَتَكَرَّرَ الكلام، وفَسَدَ النظام أو ضَعُفَ.
وأما الثَّيِّبُ الصغيرة، فقال الشَّافِعِيُّ: لا يُجْبِرُهَا الأَبُ. ورَأَى مَالِكٌ وأَبُو حَنِيفَةَ جَبْرَهَا.
وتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بظاهر قوله: =الثَّيِّبُ+. وتَعَلَّقَ مَالِكٌ وأَبُو حَنِيفَةَ بظاهر الصِّغَرِ، وأن ذلك الذي أَصَابَ الصغيرة من الثُّيُوبَةِ لا عِبْرَةَ به؛ لأنه عندنا في معنى الجُرْحِ.
ويُعَضِّدُ هذا بَيْنَنَا وبين الشَّافِعِيِّ: أن الصِّغَرَ عندنا عِلَّةٌ لِلإجْبَارِ، والبَكَارَةُ عِلَّةٌ لِلإجْبَارِ، وإذا ثَبَتَ الحُكْمُ بِعِلَّتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ، فَزَالَتْ إحداهما،
ثَبَتَ الحُكْمُ بالأخرى، كالحائض المُحْرِمَةِ. وقد مَهَّدْنَا ذلك على الكمال في =التَّخْلِيصِ+، فمن أَرَادَهُ، وَجَدَهُ إن شاء الله تعالى.
الثانية: عُلِّلَ في رواية عَائِشَةَ كَوْنُ السُّكُوتِ إقرارًا بِعِلَّةِ أنها تَسْتَحِي عن التصريح بِالنُّطْقِ.
الثالثة: قوله: =اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ في أَبْضَاعِهِنَّ+. مُجْمَلٌ، تفسيره ما تَقَدَّمَ من أنها تُعْتَبَرُ بَكَارَتُهَا، أو ثُيُوبَتُهَا. ويُعْتَبَرُ أيضًا كَوْنُهَا يَتِيمَةً، أو ذَاتَ أَبٍ.
فَاليَتِيمَةُ لا يُزَوِّجُهَا أحد إلا بأمرها، ولا أَمْرَ لها، إلا بعد بلوغها. وأما ذَاتُ الأَبِ، فَأَبُوهَا أَحَقُّ بها بِكْرًا ـ كما تَقَدَّمَ ـ وهي أَحَقُّ بنفسها ثَيِّبًا.
الرابعة: قوله: =آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ+. هذا غير لازم بإجماع، وإنما هو مُسْتَحَبٌّ، فربما يَكُونُ عند أُمِّهَا رَأْيٌ صَدَرَ عن عِلْمٍ بها، أو بالزوج، وأيضًا فإنه إنْ كان بِرِضَاهَا، حَسَّنَتْ صُحْبَةَ زوج ابنتها، وإنْ لم تَعْلَمْ، رَأَتْ خروجها عن ذلك، فلم تَحْفَظْ حِفْظَهَا إذا اخْتَارَتْهُ.
الخامسة: قوله: =وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا+. محمول على الاستحباب، بدليل ما قَدَّمْنَاهُ؛ لِيَصِحَّ معنى الحديثين، وإذا شَاوَرَهَا أَبُوهَا فلا يَكُونُ مُشَافَهَةً، وإنما يَكُونُ بواسطة؛ لأنها إنِ اسْتَحْيَتْ مِنْ ذِكْرِ النكاح مَرَّةً، اسْتَحْيَتْ مِنْ ذِكْرِهِ مع أبيها مِرَارًا.
السادسة: قولها: =إنَّ أَبِي زَوَّجَنِي مِنِ ابْنِ أَخِيهِ؛ لِيَرْفَعَ بِي مِنْ خَسِيسَتِهِ+. إشارة منها إلى أنه كان فقيرًا. وقد بَيَّنَّا أن هذا ليس بِحُجَّةٍ، فإنَّ تَزَوُّجَ الْمُعْسِرِ جائز، وقد وَقَعَتْ هذه المسألة في =الْمُدَوَّنَةِ+، وقال مَالِكٌ لأُمٍّ اعْتَرَضَتْ أَبًا في تزويج ابنته من ابن أخ له فقير: =إنِّي لاَ أَرَى لَكِ في ذلك مُتَكَلَّمًا+. وقد أَسْقَطَ بعضهم الألف، فَأَوْجَبَ لِلأُمِّ الكلام في ذلك. وهو أمر تَمِيلُ إليه النُّفُوسُ عادة، والحق أن لا يُلْتَفَتَ إلى ذلك، كما
تَقَدَّمَ بَيَانُهُ واسْتِيفَاؤُهُ في =مسائل الخلاف+.
السابعة: قال النبي *: =فَإنْ سَكَتَتْ، فَهْوَ إذْنُهَا+. وقال: =إذْنُهَا سُكُوتُهَا ـ أو ـ صُمَاتُهَا+.
فإن بَكَتْ، هل يَكُونُ ذلك رِضًا، أم لا؛ لأنه قد حَصَلَ السُّكُوتُ،(ولكن كان بُكَاءً؟ فَاخْتَلَفَ المتأخرون من علمائنا:
فمنهم من قال: يَكُونُ رِضًا؛ لأن السُّكُوتَ قد حَصَلَ)، ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ الْبُكَاءُ؛ لِيُتْمٍ ولِفَقْدِ الْوَلِيِّ.
ومنهم من قال: لا يَكُونُ رِضًا إلا سُكُوتٌ مُجَرَّدٌ عن بُكَاءٍ؛ لاحتمال أن يَكُونَ الْبُكَاءُ؛ لِفَقْدِ الْوَلِيِّ ولِلْيُتْمِ، ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ لِعَدَمِ الرِّضَا، وتَسْتَحْيِي أن تُصَرِّحَ به.
وقد شَاهَدْتُ نكاحًا كان مع الْبُكَاءِ الصُّمُوتُ، فلم أُعَرِّجْ على الْبُكَاءِ، وحَمَلْتُ الأمر على الرِّضَا.
الثامنة: غَيْرُ الأَبِ من الْقَرَابَةِ لا يُزَوِّجُ الْبِكْرَ حتى تُسْتَأْمَرَ. ولا يَكُونُ لها أَمْرٌ تُسْتَأْمَرُ عنه في النكاح إلا بعد البلوغ، وهذا عَامٌّ في الْجَدِّ، خلافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لأنها ذَاتُ جَدٍّ يَتِيمَةٌ، فَتَدْخُلُ تحت الخطاب، وهي في سائر الْقَرَابَاتِ يَتِيمَةٌ بلا شَكٍّ.
التاسعة: لا تَكُونُ الثُّيُوبَةُ التي تُوجِبُ النُّطْقَ إلا ثُيُوبَةَ نكاحٍ، أو شُبْهَتِهِ، وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ.
وقال الشَّافِعِيُّ وابْنُ الْجَلاَّبِ: إنها تُوجِبُ النُّطْقَ بِأَيِّ وَجْهٍ وَقَعَتْ، مُتَعَلِّقًا بظاهر اللفظ وحُكْمِ الاشتقاق. وهذا الذي قالاه صحيح، إذا كانت مشهورة مَحْدُودَةً، وأما إذا كانت مَسْتُورَةً، فلا يَجُوزُ أن يُرَتَّبَ نِكَاحٌ على ما لم يَثْبُتْ، بل يَجِبُ الْحَدُّ على مَنْ ذَكَرَهُ، والله أعلم.
العاشرة: فإن عُقِدَ نكاح الْيَتِيمَةِ، فَاخْتَلَفَ العلماء في ذلك على ثلاثة أقوال:
الأول: أنه باطل.
الثاني: أنه موقوف حتى تَبْلُغَ، فَتُجِيزَ أو تَرُدَّ. وبه قال أَبُو حَنِيفَةَ.
الثالث: قال أَحْمَدُ: إذا رَضِيَتْ، وهي بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ، جَازَ النكاح، وكان الاسْتِئْمَارُ صحيحًا؛ لقول عَائِشَةَ: =إذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ تِسْعَ سِنِينَ، فَهْيَ امْرَأَةٌ+. وحديث عَائِشَةَ لم يَصِحَّ، فإن صَحَّ، فالمراد به احتمال الْوَطْءِ، لا صِحَّةُ الإذْنِ.
ونكاح فيه خِيَارٌ باطل، لا يَصِحُّ أن يَنْعَقِدَ شرعًا؛ لأنه ليس له نَظِيرٌ، ولا عليه دليل.