فهرس الكتاب

الصفحة 1252 من 3691

بَابُ الْوَلِيَّيْنِ يُزَوِّجَانِ

[1110] ذَكَرَ حديث سَمُرَةَ: =أَيُّمَا امْرَأَةٍ زَوَّجَهَا وَلِيَّانِ، فَهْيَ لِلأَوَّلِ مِنْهُمَا، وَمَنْ بَاعَ بَيْعًا مِنْ رَجُلَيْنِ، فَهْوَ لِلأَوَّل مِنْهُمَا+.

قال أَبُو عِيسَى: لا نَعْلَمُ في ذلك اختلافًا بين أهل العلم. ولم يَذْكُرْ قول مَالِكٍ: إن الثاني إذا دَخَلَ، كان أَوْلَى من الأول.

وقد أَجْمَعَ علماؤنا في ذلك بإجماع الصحابة: عُمَرَ، والْحَسَنِ، ومُعَاوِيَةَ، وعَلِيٍّ.

فأما حديث عُمَرُ، فَرُوِيَ: =أَنَّهُ قَضَى فِي الْوَلِيَّيْنِ يُنْكِحَانِ الْمَرْأَةَ، وَلاَ يَعْلَمُ أَحَدُهُمَا بِصَاحِبِهِ، أَنَّهَا لِلَّذِي دَخَلَ بِهَا، فَإنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا أَحَدُهُمَا، فَهْيَ لِلأَوَّلِ+. وعليه حَمَلُوا حديث سَمُرَةَ.

ورُوِىَ: =أَنَّ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ أَنْكَحَ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ أُمَّ إسْحَاقَ بِنْتَ طَلْحَةَ، وَأَنْكَحَهَا يَعْقُوبُ بْنُ طَلْحَةَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَلَمْ تَمْكُثْ إلاَّ

لَيْلَتَيْنِ، حَتَّى جَمَعَهَا الْحَسَنُ، وَكَانَ مُوسَى أَنْكَحَهَا قَبْلَ أَنْ يُنْكِحَهَا يَعْقُوبُ مِنَ الْحَسَنِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: امْرَأَةٌ جَمَعَهَا زَوْجُهَا، فَدَعُوهَا+.

وما رَوَاهُ المُخَالِفُ عن عَلِيٍّ مِنْ خلاف هذا لم يَصِحَّ. والْعِبْرَةُ تُعَضِّدُهُ؛ لأن المرأة تَأْذَنُ للأولياء، ولا يَقِفُ أحدهم على فِعْلِ الآخَرِ، ولا يَلْزَمُهُ الْبَحْثُ عنه، فَلَمَّا وَقَعَ العَقْدُ، قُدِّمَ الأول، فلما جَاءَ الدخول وانْبَنَى على أمر جائز مع احتمال أن يَكُونَ هنالك غَيْرُهُ، دَلَّ على صِحَّتِهِ في نفسه.

بَابُ نِكَاحِ الْعَبْدِ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ

[1111] [1112] ذَكَرَ حديث جَابِرٍ، عن النبي * قال: =أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ، فَهْوَ عَاهِرٌ+.

لا خلاف أن العبد لا يَجُوزُ له زواج بغير إذْنِ سَيِّدِهِ. فإن تَزَوَّجَ بغير إذْنِهِ، كان لِلسَّيِّدِ إجازته أو رَدُّهُ، فإن أَقْدَمَ عليه، فلا حَدَّ عليه، أَمَا إنَّهُ يُؤَدَّبُ.

وأَمَّا الأَمَةُ، فنكاحها بغير إذْنِ سَيِّدِهَا فاسد، ولا جَوَازَ له بإجازته؛ لأنه نكاح بغير وَلِيٍّ.

تركيب:

إذا رَاجَعَِ الْمُطَلَّقَةَ، فلم تَعْلَمْ، فَتَزَوَّجَتْ بزوج آخَرَ، ودَخَلَ بها الثاني، كان أَحَقَّ بها في أَصَحِّ قَوْلَيْنَاـ وقال أبُو حَنِيفَةَ والشَّافِعِيُّ: إن الأول أَحَقُّ بها، مِثْلَ ما تَقَدَّمَـ لأنهما لم يُكَلَّفَا عِلْمَ الباطن؛ ولأنه قد جَاءَ بأمر جائز مع احتمال وجود الأمر الأول، ولهذا أَلْحَقَ النَّسَبَ، وعَدِمَ الإثْمَ، فَثَبَتَ النكاح.

وعَوَّلَ القوم على أن الْحُكْمَ للسابق، ولا يُعَارِضُهُ اللاحق، وإن ثَبَتَتْ

أحكامه، كَمَنْ زُفَّتْ إليه غَيْرُ امرأته. وهذا لا يُشْبِهُ الزِّفَافَ؛ لأنه (مَحَلٌّ لِلْغَلَطِ) في فَرْعٍ، وذلك مُقْتَحَمٌ مع جواز المعارض له في الأصل، فَتَقَرَّرَ، وذَهَبَ الأصل.

مَا جَاءَ في مُهُورِ النِّسَاءِ

قال الإمام الحافظ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: هذا نَظَرٌ في الصَّدَاقِ، وهو عَقْدٌ مُنْفَرِدٌ عن النكاح.

[1113] وذَكَرَ أَبُو عِيسَى حديث عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ فِي إجَازَةِ النَّبِيِّ * النِّكَاحَ عَلَى نَعْلَيْنِ.

وقد اخْتَلَفَ الناس في ذلك على سبعة أقوال:

الأول: أنه لا مَهْرَ أَقَلَّ من أَرْبَعِينَ. قاله النَّخَعِيُّ.

الثاني: أنه لا مَهْرَ أَقَلَّ من دينار. قاله أَبُو حَنِيفَةَ.

الثالث: لا مَهْرَ أَقَلَّ من خمسة دراهم. قاله ابْنُ شُبْرُمَةَ.

الرابع: أنه لا مَهْرَ أَقَلَّ من رُبُعِ دينار. قاله مَالِكٌ. وقال له الدَّرَاوَرْدِيُّ: تَعَرَّقْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللهِ. أي: قُلْتَ بِمَذْهَبِ أهل الْعِرَاقِ.

وقال الأَوْزَاعِيُّ وابْنُ وَهْبٍ: درهم. وهو الخامس.

السادس: قِيرَاطٌ. قاله رَبِيعَةُ.

[السابع] : وقال الشَّافِعِيُّ وجماعة أهل الْمَدِينَةِ: ما تَرَاضَى عليه الأَهْلُونَ، وهو كل ما جَازَ أن يَكُونَ ثَمَنًا أو أُجْرَةً، حتى المَوْزَةَ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ.

[1114] وقد رَوَى مَالِكٌ حديث الموهوبة، وأن النبي * قال للذي سَأَلَهُ أن يُزَوِّجَهَا منه: =الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ+.

ودرهمان من حَدِيدٍ، أو قَدْرُهُمَا مما يكون خَاتَمًا لا يَسَاوِي رُبُعَ

دينار، وهذا ما لا جواب عنه لأحد، ولا عُذْرَ فيه.

أَمَا إنَّ الْمُحَقِّقِينَ من علمائنا نَظَرُوا إلى قوله تعالى: ×` tBur لَمْ oىدـ tG َ، o- مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ yx إ6 Zt' الْمُحْصَنَاتِ د M"oY د B÷s كJّ9$#÷. فَمَنَعَ الله القادر على الطَّوْلِ من نكاح الأَمَةِ، ولو كان الطَّوْلُ درهمًا، ما تَعَذَّرَ على أحد."

وكذلك ثلاثة دراهم لا تَتَعَذَّرُ على أحد.

على أن الناس اخْتَلَفُوا في الطَّوْل، فمنهم من قال: هو الْقُدْرَةُ على نكاح الحُرَّةِ. ومنهم من قال: الطَّوْلُ هو وجود الحُرَّةِ تحته. ويَحْتَمِلُ أن يُرِيدَ بالطَّوْلِ حقوق الْحُرَّةِ من الإنفاق والكُسْوَةِ، فلا يَدْخُلُ محتمل آيَةٍ على نَصِّ حديث ذَكَرَهُ الأئمة في الصِّحَاحِ.

[1114ـ م] وقد ذَكَرَ أَبُو عِيسَى بَعْدَ ذِكْرِ قليل الصَّدَاقِ حديث عُمَرَ: =أَلاَ لاَ تُغَالُوا في صَدُقَاتِ النِّسَاءِ، فَإنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً عِنْدَ اللهِ، لَكَانَ أَوْلاَكُمْ بِهَا رَسُولُ اللهِ *، مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ * أَصْدَقَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيَّةً+.

وزَادَ أَبُو عِيسَى: =وَلاَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِهِ+.

زَادَ النَّسَائِيُّ: =وَإنَّ الرَّجُلَ لَيُغْلِي بِصَدَاقِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَكُونَ لَهَا عَدَاوَةٌ في نَفْسِهِ، وَحَتَّى يَقُولَ: كُلِّفْتُ لَكِ عَلَقَ الْقِرْبَةِ+.

وذَكَرَ عن عَائِشَةَ، عن النبي *: =أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً، أَيْسَرُهُنَّ مَؤُونَةً+.

ورَوَى مُسْلِمٌ: =أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ *، فَقَالَ: إنِّي تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ *: هَلْ نَظَرْتَ إلَيْهَا؛ فَإنَّ فِي (أَعْيُنِ الأَنْصَارِ)

شَيْئًا؟ قَالَ: قَدْ نَظَرْتُ إلَيْهَا. قَالَ: عَلَى كَمْ تَزَوَّجْتَهَا؟ قَالَ: عَلَى أَرْبَعِ أَوَاقٍ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ *: أَرْبَعِ أَوَاقٍ! فَكَأَنَّمَا تَنْحِتُونَ الْفِضَّةَ مِنْ عُرْضِ هَذَا الْجَبَلِ! مَا عِنْدَنَا مَا نُعْطِيكَ، وَلَكِنْ عَسَى أَنْ نَبْعَثَكَ في بَعْثٍ تُصِيبُ مِنْهُ. فَبَعَثَ بَعْثًا إلَى بَنِي عَبْسٍ، فَبَعَثَ ذَلِكَ الرَّجُلَ فِيهِمْ+.

وفي =أحكام القرآن+ تَمَامُ بَيَانِهِ.

[الأحكام:]

فأما معاني الحديث الذي ذَكَرَهُ، ففيه عشرون حُكْمًا:

الأول: أن المرأة وَهَبَتْ نفسها للنبي *، واخْتَلَفَ الناس في وَجْهِ ذلك، فمنهم من قال: إنها أَعْطَتْهُ نفسها بغير صَدَاقٍ، وذلك لا يَكُونُ إلا للنبي * خاصة.

ومنهم من قال: إنما هو أنها عَقَدَتْ نكاحها معه على معنى النكاح بلفظ الْهِبَةِ.

وقال ابنُ الْمُسَيِّبِ: =لو أَعْطَاهَا سَوْطًا، لَحَلَّتْ له+.

وقال وَكِيعٌ: =لَوْ رَضِيَتْ بِسَوْطٍ، كان مَهْرَهَا+.

والصحيح أنها أَرَادَتْ هِبَةَ النفس بغير عِوَضٍ؛ لاعتقادها أن النبي * أَوْلَى بالمؤمنين من أنفسهم، وأنه يَخْتَصُّ في النكاح بأشياء كثيرة، لا تَجُوزُ لغيره، وهذا منها. فقد تَزَوَّجَ صَفِيَّةَ بغير صَدَاقٍ.

الثاني: أن النكاح بلفظ الْهِبَةِ جائز؛ لأن النبي * قال في آخِرِهِ: =مَلَّكْتُكَهَا+. و=زَوَّجْتُكَهَا+. و=أَنْكَحْتُكَهَا+. و=مُلِّكْتَهَا+. وهذا كله في الصحيح، ويَقْتَضِي أنه ليس للنكاح لفظ مخصوص، فإنه ليس بعبادة كما قال بعض أصحاب الشَّافِعِيُّ. وإنما هو عَقْدُ تَرَاضٍ، فما فُهِمَ به الرِّضَا جَازَ.

وأما أَبُو حَنِيفَةَ، فَجَعَلَهُ بكل لفظ يَقْتَضِي التمليك على التَّأْبِيدِ، وهذا تَعَلُّقٌ باللفظ، وليس له عندنا مَعْنًى بحال، بل لو قال: أَحْلَلْتُ لَكَ، أو أَبَحْتُ لَكَ، لَجَازَ.

وذَكَرَ بعض أصحابنا عن مَالِكٍ أن النكاح بلفظ الْهِبَةِ لا يَجُوزُ. وليس الأمر كما زَعَمَ، إنما قال مَالِكٌ: لا تَكُونُ الْهِبَةُ لأحد بعد النبي *. يَعْنِي: الْمَوْهُوبَةَ؛ لقوله: × Zp> ءد9% s لَكَ مِنْ ب br ك` tuu دZد B÷s كJّ9$#÷.

أَمَا إنَّهُ قد رُوِيَ عن الْمُغِيرَةِ ومُحَمِّدِ ابْنِ دِينَارٍ مِثْلُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ.

وتحقيق القول فيه: أنه إذا قال له: وَهَبْتُكَ ابْنَتِي. إن أَرَادَ أَنْكَحْتُكَ، وقَبِلَهُ الآخَرُ كذلك، جَازَ. وإن قَصَدَ الآخَرُ صَدَاقًا، فكأنه شَرَطَ حَطَّ الصَّدَاقِ، وذلك بمنزلة ما صَرَّحَ فقال: ولا صَدَاقَ فيه. وفيه قولان:

أحدهما: يُفْسَخُ بكل حال.

الثاني: أنه يُفْسَخُ قبل الدخول خاصة.

وقال عامة العلماء: الشرط لا يَضُرُّ بِالْعَقْدِ، والنكاح صحيح. وقد بَيَّنَّاهُ في =مسائل الخلاف+.

الثالث: أن فيه خِطْبَةَ المرأة لنفسها، إذا كان المخطوب ممن يُرْغَبُ في صلاحه. وقد قالت بِنْتُ أَنَسٍ لأَنَسٍ حين سَمِعَتْهُ يُحَدِّثُ بهذا الحديث: =وَاسَوْأَتَاهُ، وَاسَوْأَتَاهُ! قَالَ: هِيَ خَيْرٌ مِنْكِ؛ رَغِبَتْ فِي النَّبِيِّ *؛ فَعَرَضَتْ نَفْسَهَا عَلَيْهِ+.

الرابع: في حديث يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن أَبِي حَازِمٍ هذا أنها قالت: =جِئْتُ لأَهَبَ نَفْسِي لَكَ، فَصَعَّدَ النَّظَرَ فِيهَا وَصَوَّبَهُ+.

ويَحْتَمِلُ أنها كَلَّمَتْهُ قبل الْحِجَابِ، ويَحْتَمِلُ أنها كَلَّمَتْهُ بعد الْحِجَابِ

مُتَلَفِّعَةً. وأَيُّ ذلك كان، فإنه يَدْخُلُ في باب نَظَرِ الرجل إلى المرأة التي يُرِيدُ أن يَتَزَوَّجَهَا، فإنك إن لم تُرِدْ نكاح المرأة، لم يَجُزْ لَكَ النَّظَرُ إليها بَارِزَةَ الْوَجْهِ، ولا مُتَلَفِّعَةً، فَتَرَى منها الْقَامَةَ والهيئة خاصة.

الخامس: قال: =الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ+. وخَاتَمُ الحديد الذي يُتَزَيَّنُ به، قيمته أكبر من مَوْزَةٍ، وقد قَرَّرْنَا في =تَخْلِيصِ التَّلْخِيصِ+ مَآخِذَ أَرْبَعَةً في تقدير مَالِكٍ له، وقلنا:

إن الأعيان المالية والمنافع الْمُبْتَذَلَةَ يَجُوزُ اسْتِيفَاؤُهَا بغير عِوَضٍ، فَجَازَ أن تُسْتَبَاحَ بكل عِوَضٍ، والْبُضْعُ لا يُبَاحُ إلا بِعِوَضٍ؛ بَيَانًا لِخَطَرِهِ، (فَيَتَقَدَّرُ؛ بَيَانًا لِخَطَرِهِ) .

وذَكَرْنَا مَأْخَذًا ثانيًا، وهو أن الصَّدَاقَ حَقُّ الله، فَوَجَبَ تقديره، وهذه الأصول لا تُرَدُّ بألفاظ من الأحاديث محتملة، يُعَارِضُهَا مِثْلُهَا من القرآن، كما بَيَّنَّاهُ، والله أعلم.

السادس: قوله: =إنْ أَعْطَيْتَهَا إزَارَكَ، جَلَسْتَ لاَ إزَارَ لَكَ+. دليل على مِلْكِ المرأة الصَّدَاقَ بنفس الْعَقْدِ، ولا خلاف فيه، أَمَا إنَّهُ لا يَسْتَقِرُّ كله إلا بالدخول، أَمَّا الْمِلْكُ، فلا خلاف فيه؛ لاتفاق الأُمَّةِ على جواز التَّصَرُّفِ فيه، ويَترَكَّبُ على هذا فُرُوعٌ، في =مسائل الفقه+ بَيَانُهَا.

السابع: أن ما لا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ، لا يَكُونُ صَدَاقًا؛ لأنه لو سَلَّمَهُ، لاَنْكَشَفَ.

الثامن: أن فيه وجوب تعجيل الْمَهْرِ، أو شيء منه؛ لأنه لو لم يَجِبْ ذلك، لَأَلْزَمَهُ إيَّاهُ، وأَرْجَأَهُ عليه.

التاسع: ذِكْرُهُ لِخَاتَمِ الحديد كان قَبْلَ النَّهْيِ عنه وقَوْلِهِ: =إنَّهُ حِلْيَةُ أَهْلِ النَّارِ+. فَنَسَخَ النَّهْيُ عنه جَوَازَهُ والطَّلَبَ له. والأحاديث في ذلك

صِحَاحٌ، وإن لم تَكُنْ في الصحيح، ويُعَضِّدُهُ إجماع الأُمَّةِ على تَرْكِهِ عَمَلًا.

العاشر: أن هذا يَحْتَمِلُ أن يكون زمان جواز الاستمتاع بالنساء، كما قال جَابِرٌ: =كُنَّا نَسْتَمْتِعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ * بِالْقَبْضَةِ مِنَ الطَّعَامِ+. ثم نَسَخَ الله الْمُتْعَةَ وصَدَاقَهَا.

الحادي عشر: من العلماء مَنْ قال: إنه إنما زَوَّجَهَا بِفَضْلِ حِفْظِهِ للقرآن وعِلْمِهِ بِسُوَرٍ منه، كما رُوِيَ عن أُمِّ سُلَيْمٍ: =أَنَّهُ خَطَبَهَا أَبُو طَلْحَةَ، فَقَالَتْ: وَاللهِ يَا أَبَا طَلْحَةَ مَا مِثْلُكَ يُرَدُّ، وَلَكِنَّكَ رَجُلٌ كَافِرٌ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ، وَلاَ يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَكَ، فَإنْ تُسْلِمْ، فَذَلِكَ مَهْرِي، وَلاَ أَسْأَلُكَ غَيْرَهُ. فَأَسْلَمَ، فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا، قَالَ ثَابِتٌ: فَمَا سَمِعْنَا بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، الإسْلاَمَ، فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ+.

الثاني عشر: ومِنَ العلماء مَنْ قال: إنما زَوَّجَهَا على أن يُعَلِّمَهَا سُوَرًا من القرآن.

وفي حديث أَبِي دَاوُدَ: =قُمْ فَعَلِّمْهَا عِشْرِينَ آيَةً+. فكأنها كانت إجارة، وكَرِهَهُ مَالِكٌ، ولم يُجِزْهُ أَبُو حَنِيفَةَ، ومَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وقال: يُفْسَخُ قبل الْبِنَاءِ، ويَثْبُتُ بعده.

ودَارَ كلام أَصْبَغَ على أنه إن نَزَلَ، مَضَى، قاله مَالِكٌ وأَشْهَبُ وابْنُ الْمَوَّازِ.

ولو كان جُعْلًا، فقال يَحْيَى، عن ابْنِ الْقَاسِمِ: لا يَجُوزُ، ولا كِرَاءَ له، ولا جُعْلَ له، ولا أَجْرَ مِثْلِهِ.

وقال الشَّافِعِيُّ: جَازَ ذلك في تعليم القرآن.

والصحيح جوازه بالتعليم؛ لأن قول النبي *: =بِمَا مَعَكَ+.(بَاءُ

الْعِوَضِ)، وفي رواية أَبِي دَاوُدَ: = (مَعِي سُورَةُ) الْبَقَرَةِ وَالَّتِي تَلِيهَا+.

وقد رَوَى يَحْيَى بْنُ مُضَرَ، عن مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ في الذي أَمَرَهُ النبي * أن يَنْكِحَ بما معه من القرآن: أن ذلك في أُجْرَتِهِ على تَعْلِيمِهَا. وبذلك جَازَ أَخْذُ الأُجْرَةِ على تَعْلِيمِهِ، وهو المعنى الثالث عشر.

وبالوجهين قال الشَّافِعِيُّ وإسْحَاقُ.

وإذا جَازَ أن يُؤْخَذَ عنه الْعِوَضُ، جَازَ أن يَكُونَ عِوَضًا، وقد أَجَازَهُ مَالِكٌ من هذه الْجِهَةِ، فَلَزِمَهُ أن يُجِيزَهُ من الأخرى ضَرُورَةً، وهو المعنى الرابع عشر.

الخامس عشر: قال ابْنُ حَبِيبٍ: هذا الحديث منسوخ بقوله: =لاَ نِكَاحَ إلاَّ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْ عَدْلٍ+. وهذه سَقْطَةٌ، أين شروط النَّسْخِ؟! كُلُّهَا مَعْدُومٌ، هذا الحديث صحيح، والذي ذَكَرَهُ باطل، ولا نَعْلَمُ ـ لو كان صحيحًا ـ الْمُتَقَدِّمَ مِنَ الْمُتَأَخِّرِ، ولا تَعَارُضَ بينهما، فكيف يُطْلِقُ لِسَانَهُ فيما لم يُحْكِمْ بَيَانَهُ، ولا أَوْضَحَ بُرْهَانَهُ؟!

السادس عشر: لَمَّا رَأَى النبي * أنه لا مَهْرَ معه، نَظَرَ في صفته، فلما رَآهُ مُسْلِمًا قد جَمَعَ من القرآن جُمْلَةً، زَوَّجَهُ منها، فَعَرَّسَ، وأَرْجَأَ الصَّدَاقَ إلى الْمَيْسُرَةِ. وهذا حَسَنٌ، إلا أن الظاهر يُخَالِفُهُ.

[1115] السابع عشر: مَعْنًى ذَكَرَهُ أَبُو عِيسَى، حَدِيثُهُ فِي عِتْقِ النَّبِيِّ * صَفِيَّةَ وَجَعْلِ عِتْقِهَا صَدَاقَهَا. قال به أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.

قلنا له: قِيلَ للراوي: =مَا أَمْهَرَهَا؟ قَالَ: أَمْهَرَهَا نَفْسَهَا+.

أَخْبَرَنَا ابْنُ الطُّيُورِيِّ، (أَخْبَرَنَا الطَّبَرِيُّ) ، أَخْبَرَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ، حَدَّثَنَا الحُسَيْنُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ومُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قالا: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ السَّوَّاقُ، حَدَّثَنَا أَسَدُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، عن مَطَرٍ الْوَرَّاقِ،

عن قَتَادَةَ قال: =سُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنِ الرَّجُلِ يُعْتِقُ جَارِيَتَهُ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا؟ فَقَالَ: أَلَمْ يُعْتِقْ رَسُولُ اللهِ * صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَجُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ، وَجَعَلَ عِتْقَهُمَا مَهْرَهُمَا وَتَزَوَّجَهُمَا؟! +.

وإن النبي * قد خُصَّ في النكاح والنساء ـ باتفاق مِنَّا ومِنْكَ ـ بِمَعَانٍ لا تَجُوزُ لغيره، فلا يَحِلُّ لأحد أن يقول: ما جَازَ في النكاح للنبي *، فهو له جائز. وأما في غير ذلك، فهو أُسْوَةٌ.

الثامن عشر: (أَنَّ جماعة) كانوا يَقُولُونَ ـ في الحديث الصحيح ـ: =إنَّ مَنْ تَزَوَّجَ مُعْتَقَتَهُ كَمَنْ رَكِبَ بَدَنَتَهُ+.

وهذا صحيح من وَجْهٍ، ويَلْزَمُ لو قلنا: يَرْكَبُها بغير صَدَاقٍ. وأَمَّا إذا قلنا: بوجوب الصَّدَاقِ، فقد خَرَجَ عن هذا التمثيل، وصَارَ الْمُعْتِقُ كأحد المسلمين. وإنما يَلْزَمُ ذلك لأَحْمَدَ لزومًا، لا مَحِيصَ له عنه، فإن أَرَادَ أن يَخْرُجَ عن ذلك بِفِعْلِ النبي *، فالنبي * مخصوص.

[1116] [1116ـ م] وحديث أَبِي مُوسَى يَقْتَضِي أن زواج الأَمَةِ الْمُعْتَقَةِ فيه فضل كبير. والذي يُؤْتِيهِ اللهُ عليه أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ في هذه المسألة:

تَأْدِيبُهُ.

والثاني:(عِتْقُهُ.

والنِّكَاحُ)رِبْحٌ زَائِدٌ.

التاسع عشر: في وَجْهِ التضعيف. وذلك أن مَنْ أَدَّى من العباد حَقَّ الله تعالى آتَاهُ الله أَجْرَهُ المعلوم بأضعافه، فإذا جَاءَ به العبد، ولم يُقَصِّرْ في شيء من حَقِّ مَوْلاَهُ، أَعْطَاهُ الله على وَفَائِهِ بِحَقِّ مَوْلاَهُ مِثْلَ ما يُعْطِيهِ

على وَفَائِهِ بِحَقِّ رَبِّه بأضعافه، وكذلك في الْمِثَالَيْنِ، فَافْهَمْهُ.

(الْمُوفِي عِشْرِينَ: هذا كله يَدُلُّ على تأكيد الصَّدَاقِ وقَصْدِهِ وجَعْلِهِ أصلًا في الْعَقْدِ، ولو لم يَكُنْ له خَطَرٌ؛ ما كان عليه هذا الأمر كُلُّهُ مَبْنِيًّا) .

تَحِريمُ نِكَاحِ الْبِنْتِ بِالْعَقْدِ عَلَى الأُمِّ أَوْ تَحْلِيلِهَا

[1117] حديث ابْنِ لَهِيعَةَ الذي ذَكَرَهُ أَبُو عِيسَى ضعيف.

والخلاف في المسألة بين الصحابة مشهور، وفي كتاب =أحكام القرآن+ فيه إتقان، ليس في غيره، فَلْيُنْظَرْ فيه، فليس من الباب؛ فَنُطَوِّلَ به هذه العارضة.

مَا يُحِلُّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلاَثًا

[1118] ذَكَرَ حديث رِفَاعَةَ، عن سُفْيَانَ، عن الزُّهْرِيِّ، عن عُرْوَةَ، عن عَائِشَةَ.

ومن أَغْرَبِ ما جَاءَ فيه: ما حَدَّثَنَاهُ أَبُو الْمَعَالِي ثَابِتُ بْنُ بُنْدَارٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الإسْمَاعِيلِيُّ قال: في كِتَابِي: =ابْنُ يَاسِينَ وغَيْرُهُ، عن بُنْدَارٍ، عن الثَّقَفِيِّ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ: أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ *.

قال الإسْمَاعِيلِيُّ: وأَخْبَرَنَا أَبُو يَعْلَى، حَدَّثَنَا أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عن أَيُّوبَ، عن عِكْرِمَةَ: أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ ـ واللفظ لابْنِ يَاسِينَ ـ: أَنَّ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ جَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ *، وَعَلَيْهَا خِمَارٌ أَخْضَرُ، وَإنَّ بِهَا خُضْرَةً بِجِلْدِهَا ـ وَالنِّسَاءُ يَنْصُرُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًاـ فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنُ بْنُ الزَّبِيرِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: مَا رَأَيْتُ مَا يَلْقَى الْمُؤْمِنَاتُ! لَجِلْدُهَا أَشَدُّ خُضْرَةً مِنْ ثَوْبِهَا، وَجَاءَ وَمَعَهُ ابْنَانِ لَهُ مِنْ غَيْرِهَا. قَالَتْ: مَا لِي إلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ، إلاَّ أَنَّ مَا مَعَهُ لَيْسَ بِأَغْنَى عَنِّي مِنْ هَذِهِ. لِهُدْبَةِ ثَوْبِهَا.

قَالَ: كَذَبَتْ؛ إنِّي لأَنْفُضُهَا نَفْضَ الأَدِيمِ، وَلَكِنَّهَا نَاشِزٌ؛ تُرِيدُ رِفَاعَةَ. فَقَالَ: لاَ تَحِلِّينَ حَتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتِكِ. وَأَبْصَرَ مَعَهُ ابْنَيْنِ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: بَنُوكَ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: هَذَا الَّذِي تَزْعُمِينَ! فَوَاللهِ لَهُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنَ الْغُرَابِ بِالْغُرَابِ+.

الأصول:

قال الله تعالى في الْمُطَلَّقَةِ ثلاثًا: ×bخ* su طَلَّقَهَا xxsu @

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت