فهرس الكتاب

الصفحة 1255 من 3691

e% مَا ِ/ن3 e=t"َ"r& دmّ9 n=t م مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ tuu دےد k=s3tGcRuQ$#÷. فقالها وما عَلَّلَهَا، ولقد انْتَهَى التكليف بقوم حتى قالوا: لا يُجْمَعُ بين المرأة ورَبِيبَتِهَا، ونَسَبُوا ذلك إلى ابْنِ أَبِي لَيْلَى، والحَسَنِ، وعِكْرِمَةَ.

وهو خَطَأٌ فاحش؛ لأنه حُكْمٌ بغير قول، ولا إنْبَاطٍ من قول، وقد فَعَلَ ذلك عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وسَعْدُ بْنُ قَرْحَاءَ من الصحابة.

السابعة: لِلْجَمْعِ صورتان:

إحداهما: في العَقْدِ.

والثانية: في الحِلِّ.

فإن جَمَعَ بينهما في العَقْدِ، بَطَلَ النكاحان، وفُسِخَا أبدًا، وهل يُحَدُّ فاعل ذلك؟ يَأْتِي في بابه إن شاء الله تعالى.

وإن جَمَعَ بينهما في الحِلِّ، ثَبَتَ نكاح الأولى، وبَتَّ نكاح الثانية، دَخَلَ بهما، أو بإحداهما، أو لم يَدْخُلْ بهما، إن قامت على ذلك البَيِّنَةُ.

فإن لم تَكُنْ هنالك بَيِّنَةٌ، قُبِلَ قول الرجل في ذلك. رَوَاهُ مُحَمَّدٌ عن أَشْهَبَ، قال مُحَمَّدٌ: وهذا صواب. إلا أن تُخَالِفَهُ التي يَتْرُكُ، فإنه يَحْلِفُ؛ لأنه يَدَّعِي سُقُوطَ الْمَهْرِ أو فَسَادَهُ، فَيَكُونُ فَسْخُهُ حينئذ بطلاق.

الثامنة: إن جَمَعَهُمَا في سَبَبِ حِلٍّ، بنكاح إحداهما وشِرَاءِ الأخرى. قال مُحَمَّدٌ، عن ابْنِ الْقَاسِمِ: إذا نَكَحَ إحدى الأُخْتَيْنِ، فلم يَبْنِ بها حتى وَطِئَ الثانية بِمِلْكِ الْيَمِينِ أنه يُوقَفُ عنهما، حتى يُحَرِّمَ فَرْجَ أَمَتِهِ عليه.

وقال أَشْهَبُ: وَطْءُ الأَمَةِ حرام، فلا يُؤَثِّرُ وَطْؤُهُ، ولكن يُمْنَعُ من وَطْءِ الأَمَةِ.

التاسعة: إذا وَطِئَ إحداهما بِمِلْكِ الْيَمِينِ، ثم تَزَوَّجَ الأخرى قبل أن يُحَرِّمَ الأَمَةَ، قال عَبْدُ اللهِ وأَشْهَبُ: ذلك جائز، ويَطَأُ امْرَأَتَهُ، لأن الأولى حَرُمَتْ عليه بالنكاح. وبه قال الشَّافِعِيُّ.

وقال ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَجُوزُ أن يَعْقِدَ النكاح حتى يُحَرِّمَ مَنْ وَطِئَ؛ لأن التحريم (الممنوع في الْجَمْعِ) موجود، إذا وَرَدَ النكاح على فَرْجٍ مباح، فلا بُدَّ من تحريمه، حتى لا يُتَصَوَّرَ الْجَمْعُ.

ولذلك قال عَبْدُ الْمَلِكِ: يُفْسَخُ النكاح؛ لأنه عَقَدَهُ على وَجْهٍ مَنْهِيٍّ

عنه؛ لأنه ممنوع من أن يَسْتَمْتِعَ بها لِسَبَبِ الْجَمْعِ، فَوَجَبَ أن يُمْنَعَ من الْعَقْدِ عليها.

بَابُ الشَّرْطِ فِي عَقْدِ النِّكَاحِ

[1127] يَزِيدُ بْنُ [أَبِي حَبِيبٍ، عن مَرْثَدِ بْنِ] عَبْدِ اللهِ الْيَزَنِيِّ، عن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قال رسول الله *: =أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِهَا مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ+.

الأحكام:

قال الإمام الحافظ: الشرط في النكاح على قِسْمَيْنِ:

أحدهما: أن يَكُونَ موافقًا لأحكام الْعَقْدِ.

الثاني: أن يَكُونَ مناقضًا له.

فإن كان موافقًا فلا خلاف، ولا يُحْتَاجُ إلى ذِكْرِهِ. وإن كان مناقضًا، فهو على قِسْمَيْنِ:

أحدهما: أن يَكُونَ من حقوق الزوجين الخالصة.

أو يَكُونَ من حقوق الله سبحانه.

فإن كان من حقوق الزوجين، جَازَ إسقاطه، ولم يُؤَثِّرْ في النكاح، وهل يَلْزَمُ ذلك، أم لا؟ اخْتَلَفَ الناس في ذلك:

فقال مَالِكٌ: يُسْتَحَبُ الوفاء به.

وقال الشَّافِعِيُّ وأَحْمَدُ وإسْحَاقُ: يَلْزَمُ الوفاء به.

وقال عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ـ كَرَّمَ الله وَجْهَهُ ـ: =شَرْطُ اللهِ قَبْلَ شَرْطِهَا+. وبه قال سُفْيَانُ الْكُوفِيُّ.

وهذا لا يَلْزَمُ؛ لأن الله تعالى لم يَشْتَرِطْ ذلك لنفسه سبحانه، وإنما جَعَلَهُ حَقًّا للزوج، يَسْقُطُ بِإذْنِهِ في الأحيان، فَجَازَ أن يَسْقُطَ بِإذْنِهِ في عموم

الأزمان.

قال الإمام الحافظ: تحقيقه أن الله تعالى نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ ـ وسَيَأْتِي تحقيقه إن شاء اللهـ وقال رسوله *: =إنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِهَا، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ+. وقال: =الْمُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ+. معناه: أنه هنالك يَظْهَرُ الإسلام والْعَمَلُ بِمُقْتَضَى الدِّينِ.

وأَغْرَبُ ما في الباب أن يعنوا أن تَشْتَرِطَ المرأة أَلاَّ يَتَزَوَّجَ عليها. وإنَّ ذلك لجائز؛ فإنها إذا تَأَذَّتْ بذلك، فلها أَلاَّ تَدْخُلَ في إذَايَةٍ، وقد قال النبي *: =إنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُونِي فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، وَإنِّي لاَ آذَنُ، ثُمَّ لاَ آذَنُ، وَمَا بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ، وَإنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنَّي، يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا، وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا، وَإنَّهُ وَاللهِ، لاَ تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللهِ، إلاَّ أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَتَزَوَّجَهَا+.

وفي هذا الحديث بدائع، سَتَرَوْنَهَا في موضعها إن شاء الله. منها في الباب قوله: =وَمَا بِي تَحْرِيمُ مَا أَحَلَّ اللهُ+. ولكنه لَمَّا كان أمرًا يُؤْذِي رسول الله *، لم يَجُزْ بحال، وليس فيه تحريم لِمَا أَحَلَّ الله مِنْ جَمْعِ زوجتين، ولكن لَمَّا كان فيه (تعرِيض إذاية) رَسُولِ الله *، مَنَعَهُ.

وللمسلمة أن تَمْنَعَ من إذَايَةِ نفسها، كما تُمْنَعُ من إذَايَةِ غيرها، قال النبي *: =لاَ تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلاَقَ أُخْتِهَا؛ لِتَكْفِئَ صَحْفَتَهَا، وَلْتَنْكِحْ؛ فَإنَّمَا لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا+. فَنَهَاهَا أن تقول: لا أَتَزَوَّجُكَ إلا أن تُطَلِّقَ فُلاَنَةً، أو لا أَبْقَى معك إلا أن تُطَلِّقَ فُلاَنَةً. وهذا مُحَرَّمٌ طَلَبُهُ عليها، وجائز فِعْلُهُ للزوج، وتفصيل الشروط في نفسها، وتصريف إدخالها على الْعَقْدِ مذكور في =مسائل الفقه+، والضابط في هذه العارضة ما أَشَرْنَا إليه من قبل.

بَابُ الرَّجُلِ يُسْلِمُ وَتَحْتَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعٍ

[1128] مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَالِمٍ، عن أَبِيهِ: =أَنَّ غَيْلاَنَ بْنَ سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ، وَلَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ * أَنْ يَتَخَيَّرَ أَرْبَعًا مِنْهُنَّ+.

[1129] [1130] ورَوَى ابْنُ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيُّ، عن أَبِيهِ أنه قال: =قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أَسْلَمْتُ، وَتَحْتِي أُخْتَانِ. قَالَ: اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ+.

الإسناد:

سَكَتَ عن ذِكْرِ الأَوَّلِ.

وذَكَرَ الْبُخَارِيُّ أنه غير محفوظ، والصحيح ما رَوَى شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وغَيْرُهُ، عن الزُّهْرِيِّ أنه قال: حُدِّثْتُ عن مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ: =أَنَّ غَيْلاَنَ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ+.

وحديث فَيْرُوزَ رَوَاهُ ابْنُ لَهِيعَةَ، فَصَارَ الحديثان مَوْقُوفَيْنِ.

وقد رَوَى حَدِيثَ غَيْلاَنَ سَرَّارُ بْنُ مُجَشِّرٍ، عن أَيُّوبَ، عن نَافِعٍ وسَالِمٍ، عن ابْنِ عُمَرَ. وقد اتَّفَقُوا على صِحَّةِ المُرْسَلِ عنه.

أَخْبَرَنَا الطُّيُورِيُّ، (أَخْبَرَنَا الطَّبَرِيُّ) ، أَخْبَرَنَا الدَّارَقُطْنِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الرَّمَادِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِيِّ قال: = (أَسْلَمَ غَيْلاَنُ) +. مِثْلَهُ.

أَخْبَرَنَا ابْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا الصَّاغَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو صَالِحٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عن ابْنِ شِهَابٍ، بَلَغَنِي عن عُثْمَانَ ابْنِ أَبِي سُوَيْدٍ: =أَنَّ النَّبِيَّ * قَالَ+. مِثْلَهُ.

وقد رَوَى الْوَاقِدِيُّ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ الزُّهْرِيُّ، عن عَبْدِ اللهِ

بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، عن أَبِيهِ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ قال: =أَسْلَمَ غَيْلاَنُ بْنُ سَلَمَةَ، وَعِنْدَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ النَّبِيًّ * أَنْ يُمْسِكَ أَرْبَعًا، وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ، وَأَسْلَمَ صَفْوَانُ، وَعِنْدَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُمْسِكَ أَرْبَعًا، وَيُفَارِقَ سَائِرَهُنَّ+.

(قال الدَّارَقُطْنِيُّ) : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقٍ ـ يَعْنِي: الصَّاغَاِنيَّ ـ حَدَّثَنَا مُعَلَّى ـ يَعْنِي: ابْنَ مَنْصُورٍـ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قال: وأَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى، كلاهما عن حُمَيْضَةَ بْنِ الشَّمَرْدَلِ، عن قَيْسِ بْنِ الْحَارِثِ ـ وفي حديث هُشَيْمٍ: الْحَارِثُ بْنُ قَيْسٍـ: =أَنَّهُ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ ثَمَانِ نِسْوَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ *: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا+. وذَكَرَهُ بِأَوْعَبَ من هذا.

قال: وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيَادٍ النَّيْسَابُورِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الأَزْهَرِ أَحْمَدُ بْنُ الأَزْهَرِ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ أَيُّوبَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عن أَبِي وَهْبٍ الجَيْشَانِيِّ، عن الضَّحَّاكِ بْنِ فَيْرُوزَ الدَّيْلَمِيِّ، عن أَبِيهِ، فَذَكَرَهُ.

الأصول:

قد تَقَدَّمَ بَيَانُ بعض مَسَاقِ هذه الأحاديث.

فأما حديث ابْنِ شِهَابٍ، عن ابْنِ عُمَرَ، فليس يَمْتَنِعُ أن يَرْوِيَ ابْنُ شِهَابٍ الحديث من ثلاث طُرُقِ فَيَسُوقَهُنَّ، ولكن قد ثَبَتَ عنه الْمُرْسَلُ، ونحن ومُخَالِفُنَا أَبُو حَنِيفَةَ نَرَى القول بِالْمُرْسَلِ.

وأما حديث فَيْرُوزَ، فقد رُوِّينَاهُ من غير طريق ابْنِ لَهِيعَةَ.

الأحكام:

مُعَوَّلُ القوم على الْمَعْنَى، وهو مُشْتَرَكٌ بَيْنَنَا وبَيْنَهُمْ، ومُعَوَّلُنَا على هذه الأحاديث، وقد بَيَّنَّاهَا (في =مسائل الخلاف+) ، وإذا صَحَّتْ لنا

الْحُجَّةُ عليهم في حديث غَيْلانَ، صَحَّتْ في حديث فَيْرُوزَ؛ لأن المسألة واحدة، وبَيَانُهَا في =مسائل الخلاف+.

والإشارة فيه ما ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، قال: =تَرْكُ الاسْتِفْصَالِ في حِكَايَاتِ الأحوال مع الاحتمال يَتَنَزَّلُ منزلة العموم في الْمَقَالِ، كحديث غَيْلانَ، فإنه أَسْلَمَ وتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ، فقال له النبي *: اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، وَفَارِقْ سَائِرَهُنَّ. ولم يُفَصِّلْ له القول بِفَرْقٍ بَيْنَ الأوائل والأواخر+.

تركيب:

فلو مَاتَ قَبْلَ أن يَخْتَارَ، حُكِمَ بِمِيرَاثِهِنَّ، وأَخَذَتْ صَدَاقَهَا مَنْ دَخَلَ بها، وأَخَذَتْ مَنْ لم يَدْخُلْ بها خُمُسَيْ صَدَاقِهَا؛ لأنه لم يَكُنْ له إنْ لم يَدْخُلْ بِهِنَّ إلا صَدَاقُ أَرْبَعٍ، فَقُسِمَ ذلك بَيْنَهُنَّ. قاله ابْنُ الْمَوَّازِ. وتفصيله في =مسائل الفقه+.

تركيب:

فلو طَلَّقَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، لم يَكُنْ له أن يَخْتَارَ غَيْرَهُنَّ، لأنه اختيار منه لَهُنَّ. قاله ابْنُ عَبْدُوسٍ.

بَابُ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الأَمَةَ وَهْيَ حَامِلٌ، أَوْ يَسْبِيهَا وَلَهَا زَوْجٌ

[1131] ذَكَرَ حديث رُوَيْفِعٍ، عن النبي *: =مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، فَلاَ يَسْقِ مَاءَهُ زَرْعَ غَيرِهِ+. ولا خلاف فيه.

[1132] وأما مسألة الْمَسْبِيَّةِ، (فَذَكَرَ فيه) حديث أَبِي الْخَلِيلِ صَالِحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: =أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ، وَلَهُنَّ أَزْوَاجٌ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ *، فَنَزَلَتْ: × aM"oY> ءَsكJّ9$# ur مِنَ النِّسَاءِ إِلًّا مَا مَلَكَتْ ِ Na6 م Y"yJ÷'r&÷. الآيَةَ+.

الإسناد:

هكذا رَوَاهُ جماعة، عن أَبِي الْخَلِيلِ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ.

[1132ـ م] ورَوَاهُ قَتَادَةُ، كما أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الحَسَنِ الْفُسْطَاطِيُّ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ، عن حَمْزَةَ، عن أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ ـ وهو ابْنُ زُرَيْعٍ ـ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عن قَتَادَةَ، عن أَبِي الْخَلِيلِ، عن أَبِي عَلْقَمَةَ الْهَاشِمِيِّ، عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: =أَنَّ النَّبِيَّ * بَعَثَ جَيْشًا إلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقُوا عَدُوًّا، فَقَاتَلُوهُمْ وَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ، فَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا، لَهُنَّ أَزْوَاجٌ في الْمُشْرِكِينَ، فَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يَتَحَرَّجُونَ مِنْ غِشْيَانِهِنَّ، فَأَنْزَلَ اللهُ: × aM"oY> ءَsكJّ9$# ur مِنَ النِّسَاءِ إِلًّا مَا مَلَكَتْ ِ Na6 م Y"yJ÷'r&÷+.

زَادَ أَبُو دَاوُدَ: =فَهُنَّ لَكُمْ حَلاَلٌ، إذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ+.

أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ القُرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا التُّسْتَرِيُّ.

[ح] وأَخْبَرَنَا العَبْدَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ، قالا: أَخْبَرَنَا الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا اللُّؤْلُؤِيُّ.

[ح] وأَخْبَرَنَا ابْنُ عَمَّارٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا ابن حبيب، أَخْبَرَنَا ابْنُ دَاسَةَ، قالا: أَخْبَرَنَا أَبُو دَاوُدَ، حَدَّثَنَا النُّفَيْلِيُّ، حَدَّثَنَا مِسْكِينٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عن يَزِيدَ بن خُمَيْرٍ، عن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، عن أَبِيهِ، عن أَبِي الدَّرْدَاءِ: =أَنَّ رَسُولَ اللهِ * كَانَ فِي غَزَاةٍ، فَرَأَى امْرَأَةً مُجِحًّا، فَقَالَ: لَعَلَّ صَاحِبَهَا أَلَمَّ بِهَا؟! قَالُوا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهَ لَعْنَةً، تَدْخُلُ مَعَهُ فِي قَبْرِهِ، كَيْفَ يُوَرِّثُهَ، وَهْوَ لاَ يَحِلُّ له؟! وَكَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ، وَهْوَ لاَ يَحِلُّ لَهُ؟! +. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.

العربية:

السَّبْيُ: الأَخْذُ قَسْرًا لِلآدَمِيِّ، دون غيره.

والْغَنِيمَةُ: تَعُمُّ الْكُلَّ.

الْمُجِحُّ، بالحاء المهملة: التي دَنَا وِلاَدُهَا.

الأحكام:

في سبع مسائل:

الأولى: الحامل لا يَحِلُّ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِمَنِ اشْتَرَاهَا، بلا خلاف؛ لِلْعِلَّةِ التي بَيَّنَهَا رسول الله *، واللَّعْنَةِ التي هَمَّ بها على فاعله.

أَمَا إنَّهُ لو وَطِئَهَا وعَزَلَ عنها، لم يَسْتَحِقَّ لَعْنًا؛ لأن اللَّعْنَ إنما كان لِلْعِلَّةِ التي قالها، وهي: =كَيْفَ يُوَرِّثُهُ، وَهْوَ لاَ يَحِلُّ لَهُ؟! أَوْ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ، وَهْوَ لاَ يَحِلُّ لَهُ؟! +. وهو دليل التقسيم الصحيح عند العلماء؛ لأنه لا يَخْلُو إما أن يَكُونَ حَمْلًا صحيحًا، أو يَكُونَ مُنْفَشًّا، ويَتَجَدَّدَ الحَمْلٌ ويَبْتَدِئَ بِوَطْئِهِ.

فإن مَلَكَهُ، ربما كان وَلَدَهُ، وإن وَرَّثَهُ، ربما كان وَلَدَ الْمُشْرِكِ، والْفُرُوجُ على التحريم، حتى يُتَيَقَّنَ دليل الإباحة، وإنما بَنَى الأَمْرَ ههنا على اليقين، ولم يَلْتَفِتْ إلى الشَّكِّ؛ لأن الشَّكَّ لا يُوجِبُ حُكْمًا في الدِّينِ بحال، لا تحريمًا، ولا إباحة.

الثانية: إذا لم تَكُنِ الْمَسْبِيَّةُ حاملًا، فلا يَجُوزُ وَطْؤُهَا أيضًا؛ للحديث الصحيح في النازلة عن الراوي بِعَيْنِهِ ـ أَبِي سَعِيدٍ ـ أن النبي * قال: =لاَ تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلاَ حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ+.

والْعِلَّةُ فيه أَنَّهُنَّ مَوْطُوآتٌ، فَأَرْحَامُهُنَّ مشحونة بالماء الفاسد، فلا يَحِلُّ لرجل أن يَضَعَ ماءه الحلال الصحيح على ماء حرام فاسد. ولهذه

الْعِلَّةِ لم تُتَزَوَّجِ الزَّانِيَةُ حتى تُسْتَبْرَأَ، كان الزَّانِي بها الذي يَتَزَوَّجُهَا، أو غيره.

الثالثة: الزوجة المَسْبِيَّةُ النازلة فيها الآيَةُ، وهي من مُعْضِلاَتِ الآيات، وقد بَيَّنَّاهَا في =الأحكام+ بغاية(البيان.

وتحقيقه): أن مِلْكَ الْمَسْبِيَّةِ يُحِلُّ لمالكها وَطْأَهَا؛ لأن النكاح الأول لا عِبْرَةَ به، ولا حُكْمَ له، وكان القياس أن يَهْدِمَهُ الإسْلاَمُ كما يَهْدِمُهُ السَّبْيُ، إلا أن الشَّرْعَ نَظَرَ لِلإسْلاَمَ (نَعِيمًا أَبْقَى به) معه ـ تأليفًا وتحريضًا على الدخول (فيه ـ عليه) ، وبَقِيَ الْحُكْمُ في السَّبْيِ على أصله.

وهذه المسألة حَيَّرَتْ عقول الأصحاب، وإن كانوا أُولِي الألباب، واخْتَلَفَتِ الروايات فيها، ولا إشكال عليها، وحَاشَا لِلْعِلْمِ أن يُسْبَى الزوجان أو أحدهما، فَيُبْقِيَ له حُكْمَ نكاحٍ يُعْتَبَرُ لهما، ومن الغريب أن يُبْطِلَ السَّبْيُ مِلْكَ المال، ويُبْقِيَ مِلْكَ النكاح!

وصَرَمَ أَبُو حَنِيفَةَ على أن الزوجين إذا سُبِيَا مَعًا، لم يَبْطُلِ النكاح، قال: لأن الرِّقَّ لا يَمْنَعُ مِنِ ابْتِدَاءِ النكاح، فكذلك لا يَقْطَعُهُ.

قلنا: حدوث الرِّقِّ هو الذي يُبْطِلُهُ، ثم هذا يَبْطُلُ بِالْخُلْعِ، فإنه يَقْطَعُ النكاح، ولا يَمْنَعُ مِنِ ابْتِدَائِهِ.

الرابعة: وَطْءُ السَّبَايَا حينئذ، هل كان وهُنَّ على التَّوَثُّنِ، أم بَعْدَ ما أَسْلَمْنَ؟ وقد أَجَازَ ذلك إلى اليوم عَطَاءٌ، وعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، ومَنَعَهُ سائر الناس.

وقال بعض الْمُتَأَوِّلِينَ: إن ذلك السَّبْيَ لم يُوطَأْ مِنْهُنَّ واحدة، حتى أَسْلَمَتْ.

وهذه قِلَّةُ بَصِيرَةٍ بالحديث؛ ففي الصحيح ـ واللفظ لِمُسْلِمٍ ـ عن أَبِي

سَعِيدٍ قال: =غَزَوْنَا بَنِي الْمُصْطَلِقِـ يَعْنِي: قَبْلَ أَوْطَاسٍ بِمُدَّةٍ ـ فَسَبَيْنَا كَرَائِمَ الْعَرَبِ، فَطَالَتْ عَلَيْنَا الْعُزْبَةُ، وَرَغِبْنَا فِي الْفِدَاءِ، وَأَرَدْنَا أَنْ نَعْزِلَ فَسَأَلْنَا، فَقَالَ: لاَ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تَفْعَلُوا+. ولو أَسْلَمُوا، ما فَادُوا بِهِنَّ، وهذا بَيِّنٌ ظاهر.

الخامسة: هل ذلك منسوخ، أم لا؟ هو مُبَيَّنٌ في موضعه، فَلْيُنْظُرْ فيه.

السادسة: إن كانت الْمَسْبِيَّةُ يَائِسَةً، فإن الْقَاسِمَ وسَالِمًا، ويُرْوَى عن اللَّيْثِ قريب منه، قالوا: لا اسْتِبْرَاءَ فيه؛ لقول النبي *: =حَتَّى تَحِيضَ+. والنبي * قال: =حَتَّى تَحِيضَ+. فَدَلَّ على أن المراد مَنْ يُتَصَوَّرُ الْحَيْضُ فيها.

ودليلنا أنه رَحِمٌ، يُسْتَأْنَى به ظاهر الْبَرَاءَةِ في الْعِدَّةِ، فكذلك الاسْتِبْرَاءُ بِمِثْلِهِ، أصله التي تَحِيضُ، وقد رُوِيَ مِثْلُ هذا عن أَبِي يُوسُفَ.

السابعة: إن كانت بِكْرًا، قال عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: لاَ تَسْتَبْرِئُ الْمَرْأَةُ رَحِمَهَا. وهذا لا يَصِحُّ نَظَرًا؛ فإنه قد ثَبَتَ وجود الْحَمْلِ على الْبَكَارَةِ، فَوَجَبَ ألاَّ يُقْدَمَ على الرَّحِمِ حتى يُسْتَبْرَأَ، والله أعلم.

بَابُ مَهْرِ الْبَغِيِّ

[1133] أَبُو بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عن أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ: =نَهَى رَسُولُ اللهِ * عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ+. حَسَنٌ صحيح.

أما ثَمَنُ الكلب، فَيَأْتِي في الْبُيُوعِ.

وأما مَهْرُ الْبَغِيِّ، فلا خلاف في تحريمه، وهو ما تَسْتَأْجِرُ به المرأة نفسها على الزِّنَا.

وأما ثَمَنُ الكلب، فالكلاب مما اخْتُلِفَ في حالها، وفي جواز اقْتِنَائِهَا، وفي ثَمَنِ مَبِيعِهَا، والشَّافِعِيُّ يقول: لا تُبَاعُ بحال. وأَبُو حَنِيفَةَ(يُجِيزُ بَيْعَهُ.

واخْتَلَفَ أصحاب مَالِكٍ عن مَالِكٍ.

ولا يَفُوتَنَّكُمْ ما وَصَّيْتُكُمْ به مِرَارًا، مِنْ أن مَذْهَبَ مَالِكٍ الْمُعَوَّلَ عليه ما في =مَوَطَّئِهِ+)؛ أَقْرَأَهُ عُمُرَهُ كَلَّهُ، فما قال لصاحب، أو أَجَابَ به سائلًا، لا يُعَارِضُهُ (ما أَقْرَأَهُ) لَيْلَهُ ونَهَارَهُ عُمُرَهُ كُلَّهُ، ورَوَاهُ عنه أَلْفُ رجل، أو يَزِيدُونَ.

قال مَالِكٌ في =الْمُوَطَّأِ+: =أَكْرَهُ ثَمَنَ الكلب الضَّارِي وغيرِ الضَّارِي؛ لِنَهْيِ رسول الله * عن ثَمَنِ الكلب+.

وأما الشَّافِعِيُّ، فَجَعَلَ جواز الاتِّخَاذِ في (كلب الحاجة) أصلًا في الإذْنِ بالانتفاع خاصة. وأما بيع الكلب، فلم نَقِسْهُ على جواز اتخاذه؛ لأن الرُّخَصَ لا يُقَاسُ عليها.

وأما أَبُو حَنِيفَةَ، فَعَوَّل على الأحاديث الْمَرْوِيَّةِ في التَّرْخِيصِ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وغيره: =أَنَّ النَّبِيَّ * أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ، ثُمَّ قَالَ: مَا لِي وَلِلْكِلاَبِ، ‍ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبٍ آخَرَ+.

وثَبَتَ أنه قال: =فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ+. فَحَمَلَ النَّهْيَ عن الثَّمَنِ عند الأمر بِالْقَتْلِ.

فهذه رؤوس المسائل، وتحريرها مُحَقَّقَةً في =مسائل الخلاف+.

والعارضة من الأحكام هَهُنَا:

في تسع مسائل:

الأولى: في جواز اتِّخَاذِ الكلاب.

لا خلاف أن الكلاب كانت عندهم مُتَّخَذَةً مُكْتَسَبَةً، يُصَرِّفُونَهَا في منافعهم، ثُمَّ =أَمَرَ النَّبِيُّ * بِقَتْلِهَا، فَأَرْسَلَ إلَى أَقْطَارِ الْمَدِينَةِ (أَنْ تُقْتَلَ) ، فَنَنْبَعِثُ فِي الْمَدِينَةِ وَأَطْرَافِهَا، فَلاَ نَدَعُ كَلْبًا إلاَّ قَتَلْنَاهُ، حَتَّى إنَّا لَنَقْتُلُ كَلْبَ

الْمُرَيَّةِ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ يَتْبَعُهَا+. كذا في الصحيح عن ابْنِ عُمَرَ، وألفاظ مُسْلِمٍ هذه.

ثم رُوِيَ عنه، أنه قال: =أَمَرَ بِقَتْلِهَا، إلاَّ كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ+.

زَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ في موضع آخَرَ: =أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ+.

وبَيَّنَ في مُسْلِمٍ عَبْدُ اللهِ بْنُ مُغَفَّلٍ: =أَنَّ النَّبِيَّ * أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلاَبِ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلاَبِ؟ ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَالْغَنَمِ وَالزَّرْعِ+.

وأَخْبَرَ =أَنَّ اتِّخَاذَهُ يُنْقِصُ مِنَ الأَجْرِ قِيرَاطًا+. وفي الأكثر: =قِيرَاطَانِ+. كلاهما في =صحيح مُسْلِمٍ+ عن ابْنِ عُمَرَ وأَبِي هُرَيْرَةَ.

قال: وفي =الْمُوَطَّأِ+ عن سُفْيَانَ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ: =قِيرَاطٌ+. عليهما.

قال الفقيه الإمام الحافظ: فهاتان حالتان:

إحداهما: قتلها كلها.

الثانية: اتِّخَاذُ ما يُحْتَاجُ إليه منها في ثلاث، وتحريم ما سواه بما أَخْبَرَ أنه يُنْقِصُ مِنْ أَجْرِهِ. وكل ما أَدْخَلَ وِزْرًا، فهو حرام.

الثانية: إذا جَازَ اتِّخَاذُهَا لهذه الْخِصَالِ الثلاث، فهل يَجُوزُ لغيرها، أم لا؟ في ذلك كلام بَيَّنَّاهُ في =الكتاب الكبير+. أَصَحُّهُ أنه يَجُوزُ اتِّخَاذُهُ لِلْحِرَاسَةِ في الدُّورِ والطُّرُقِ، إذا خَافَ صَاحِبُهُ، وأَغْنَى عنه.

الثالثة: إذا قلنا: يَجُوزُ اتِّخَاذُهَا، هل يَجُوزُ بَيْعُهَا؟

قال أَبُو حَنِيفَةَ: حَدُّ المال: كُلُّ مُنْتَفَعٍ به شرعًا، فإذا جَازَ وَضْعُ الْيَدِ عليه والانتفاع به، صَارَ من الأموال الشرعية، فَجَازَ بَيْعُهُ.

قلنا: إنما صَارَ مُتَّخَذًا مُنْتَفَعًا به ضرورة، فلا يُلْحَقُ بِالْمُكْتَسَبِ الْمُنْتَفَعِ به اختيارًا، فإن في الكلب منفعة ومَضَرَّةً، فَلَمَّا تَعَارَضَا أُذِنَ في

اتِّخَاذِهِ، فكانت رُخْصَةً، فلم يَطَّرِدْ عليه حُكْمُ الأموال.

الرابعة: أن النبي * نَهَى عن ثَمَنِهِ، مع الأمر بِاتِّخَاذِهِ؛ لِتَكُونَ المنفعة (به عامة) عند مَنْ يَدُهُ عليه وغيره، كما نَهَى عَنْ ثَمَنِ السِّنَّوْرِ ـ وهي

الخامسة ـ: لِتَكُونَ مِنَ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ، فَتَعُمَّ منفعته ولا يُتَمَلَّكَ، وهذا أَبْدَعُ في المصلحة، وأَجْرَى في قوانين الشريعة.

وقد ثَبَتَ عن رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عن رسول الله * ـ واللفظ لِمُسْلِمٍ ـ قال: =ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ، وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ+.

فَعَيَّنَ ثَمَنَ الكلب ومَهْرَ الْبَغِيِّ؛ لأنه مُعَوَّضٌ، لا تَجُوزُ مقابلته بِالْعِوَضِ، وأَطْلَقَ القول في كَسْبِ الْحَجَّامِ ـ وهي

السادسة ـ: لِجَهَالَتِهِ، فإنه يُعَامَلُ على غير عَمَلٍ مُقَدَّرٍ، فلو كان معلومًا، لَجَازَ، كما فَعَلَهُ النَّبِيُّ * فِي أَنْ أَعْطَى أَجْرَ حَاجِمِهِ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا، مَا أَعْطَاهُ لَهُ.

السابعة: قوله: =فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ+.

زَادَ مُسْلِمٌ في رواية جَابِرٍ: =ذَا نُقْطَتَيْنِ؛ فَإنَّهُ شَيْطَانٌ+. وهو شَرْعٌ مربوط بِغَيْبٍ، فَيُمْتَثَلُ، ولا يُعَلَّلُ.

الثامنة: إذا لم يَجُزْ بَيْعُهُ، فإن على مَنْ قَتَلَهَ قِيمَتَهُ.

وفي حديث ابْنِ عَبَّاسٍ: =مَنْ جَاءَكَ يَطْلُبُ ثَمَنَهُ، فَامْلأْ كَفَّيْهِ تُرَابًا+. وهذا فيما لا منفعة فيه، فلا يَجُوزُ قَتْلُهُ، وإذا لم يَجُزْ ـ وأَبْطَلَ منفعته ـ تَعَيَّنَتْ عليه القيمة، وليس كل ما لا يَجُوزُ بيعه تَبْطُلُ قيمته، وهذا كله مُسْتَوْفًى في موضعه إن شاء الله تعالى.

التاسعة: حُلْوَانُ الْكَاهِنِ حرام بإجماع؛ لأن كَهَانَتَهُ كُفْرٌ، (وأجرة الكُفْرِ) لا خلاف في تحريمها، والله أعلم.

بَابُ لاَ يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ

[1134] [1135] [1135ـ م] ذَكَرَ حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، وفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ. وكلاهما صحيح.

[الفقه:]

وفي ذلك من الفقه إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً:

الأولى: لا خلاف في أنه لا يَجُوزُ لأحد أن يَخْطُبَ على خِطْبَةِ غيره؛ لِنَهْيِ النبي * عنه، وقد اخْتُلِفَ في صفة الخِطْبَةِ التي نَهَى النبي * عنها؛ بناء على قولين:

أحدهما: أن يَرْكُنَ كل واحد من الزوجين إلى صاحبه، ويَتَّفِقَا على صَدَاقٍ معلوم. يَعْنِي: ولا يَبْقَى إلا الإعلان، أو الإشهاد بِالتَّوَاجُبِ.

الثاني: أنه لا تَجُوزُ الخِطْبَةُ إذا تَرَاكَنَا، وإنْ لم يَتَّفِقَا على صَدَاقٍ. قاله ابْنُ الْقَاسِمِ وابْنُ وَهْبٍ ومُطَرِّفٌ وابْنُ الْمَاجِشُونٍ وابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، والشَّافِعِيُّ.

وسَاعَدَنَا ابْنُ نَافِعٍ على الرواية الشهرى عن مَالِكٍ المَذْكُورَةِ في =مَوَطَّئِهِ+.

قال الإمام الحافظ: وتحقيق القول في ذلك أن لِلْخِطْبَةِ مَبْدَأً، ومُرَاوَضَةً، ومُنْتَهًى.

فأما الْمَبْدَأُ، فلا خلاف في جواز دخول بعضها على بعض.

وأما الْمُنْتَهَى، فلا خلاف في تحريم الْخِطْبَةِ فيها، وهي ما إذا لم يَبْقَ إلا التَّوَاجُبُ، فَأَدْخَلَ على ذلك أَحَدٌ خِطْبَتَهُ.

وإنما القول في حال الْمُرَاوَضَةِ، فَإنْ تَرَاكَنَا وتَقَارَبَا في الرِّضَا، لكن لم يَجْرِ ذِكْرُ صَدَاقٍ، فهذا موضع الخلاف، مَنْ قال: تَجُوزُ الْخِطْبَةُ، قال:

لأن الاتفاق لم يَقَعْ بَعْدُ؛ إذْ قد يَذْكُرَانِ من الصَّدَاقِ ما لا يَتَّفِقَانِ عليه.

ومَنْ قال: لا تَجُوزُ، قال: لأن التَّوَاجُبَ قد يَقَعُ بغير صَدَاقٍ. والأول أَصَحُّ؛ لأن السُّكُوتَ عن الصَّدَاقِ نادر، وهو أصل الاتفاق، فإن لم يُذْكَرْ، فليس بِرُكُونٍ، ولا مُقَارَبَةٍ.

الثانية: قال علماؤنا: هذا إذا كَانَا شَكْلَيْنِ، فأما إذا لم يَكُنِ الزوجان مُتَشَاكِلَيْنِ، جَازَ لِلشَّاكِلَةِ أن يَدْخُلَ عليه. وهذا مما لا يَنْبَغِي أن يَكُونَ فيه خلاف.

الثالثة: مَنِ اقْتَحَمَ النَّهْيَ وخَطَبَ، أَثِمَ. ورَأَى علماؤنا تَأْدِيبَهُ.

الرابعة: هل يُفْسَخُ نكاحه؟

قال ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يُفْسَخُ. وبه قال عَبْدُ الْمَلِكِ والشَّافِعِيُّ وأَبُو حَنِيفَةَ.

ورَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ، عن ابْنِ نَافِعٍ: يُفْسَخُ قَبْلُ.

ورَوَى غَيْرُهُ أنه يُفْسَخُ بكل حال.

والصحيح عَدَمُ الْفَسْخِ؛ لأن النَّهْيَ وَقَعَ في غير الْعَقْدِ، فلم يُؤَثِّرْ فيه، وإنما عليه الإثْمُ. واخْتَلَفَ علماؤنا ـ وهي

الخامسة ـ: هل الْحَقُّ في ذلك لله، أم للخاطب؟ فمنهم مَنْ قال: الْحَقُّ في ذلك للخاطب، فَلْيَتَحَلَّلْ منه، فإن لم يَفْعَلْ، فَارَقَهَا. قاله ابْنُ وَهْبٍ.

وهذا لا يَصِحُّ؛ لأنه رَآهُ مُسْتَوْجِبًا حَقًّا في النكاح، وهذا لا يَصِحُّ، وقد فَاتَ مَحَلُّ حَقِّهِ، أَمَا إنَّهُ إنْ حَلَّلْ، خَلَصَ من مطالبته.

السادسة: رَوَى الأَعْرَجُ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ هذا الحديث، فقال: =لاَ يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ+.

ورَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، فَزَادَ فيه: =لاَ يَبِعِ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ+.

وكذلك رَوَى عُبَيْدُ اللهِ، عن نَافِعٍ، عن ابْنِ عُمَرَ؛ أن النبي * قال:

=لاَ يَبِعْ، وَلاَ يَخْطُبْ+.

فإما لم يَسْمَعْهُ مَالِكٌ منه، وإما فَصَلَهُ. على اختلاف العلماء في فَصْلِ الموصول، إذا لم يَكُنْ منه.

السابعة: قال مُسْلِمٌ في رواية ابْنِ عُمَرَ: =وَلاَ يَخْطُبْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ، إلاَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ+. وهذا صحيح؛ لأنه إذا أَذِنَ له، فقد تَرَكَ الرُّكُونَ، فَزَالَتِ الْعِلَّةُ.

الثامنة: قوله: =لاَ يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ+. يَعْنِي به: السَّوْمَ؛ لأن البيع لو تَمَّ، لم يُتَصَوَّرْ آخَرُ غيره. بَيَّنَهُ حديث شُعْبَةَ، عن عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عن أَبِي حَازِمٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: =أَنَّ رَسُولَ اللهِ * نَهَى أَنْ يَسْتَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ+.

التاسعة: في هذا الْوَجْهِ هو الكلام، فأما لو انْعَقَدَ الْعَقْدُ في البيع، لم يَكُنْ كلام في أنه حرام، لا يَجُوزُ، ولا يَنْعَقِدُ.

والقول في وُرُودِ الْعَقْدِ على البيع يُتَصَوَّرُ عند الشَّافِعِيُّ في خِيَارِ الْمَجْلِسِ، إذا تَعَاقَدَا ولم يَتَفَرَّقَا.

وقد بَيَّنَ الراوي أن النبي * أَرَادَ بَيْعَ السَّوْمِ. وكيف مَنَعَ الْبَيْعَ؟!

وإنما ذلك إذا اتَّفَقَا، وسَمَّيَا الثَّمَنَ، ولم يَبْقَ إلا أن يَشْتَرِطَ وَزْنًا، أو يَتَبَرَّأَ من عَيْبٍ، ونحو ذلك، مما يُفْهَمُ منه الاتفاق.

وقال الثَّوْرِيُّ: ذلك بأن يقول: عندي ما هو خَيْرٌ منه فَأَرْجِ، حتى تَرَى ما عندي.

وقال أَبُو حَنِيفَةَ بقول مَالِكٍ في ذلك، وإنما تَجُوزُ الْمُسَاوَمَةُ في الابتداء.

العاشرة: إذا وَقَعَ البيع، فَاخْتَلَفَتِ الروايات عن مَالِكٍ، وعن

أصحابه. وأَنْكَرَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ أن يَكُونَ مَالِكٌ قال بِفَسْخِهِ. والتعليل قريب من الذي تَقَدَّمَ في النكاح، فَعَوِّلْ عليه.

الحادية عشرة: من غَرِيبِ الفقه أن الأَوْزَاعِيَّ يقول: تَجُوزُ مُسَاوَمَةُ الْمُسْلِمِ على الذِّمِّيِّ؛ لقول النبي *: =عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ+. ولا أُخُوَّةَ بين الْمُسْلِمِ والذِّمِّيِّ، فلم يَدْخُلْ في النَّهْيِ.

وسائر العلماء على مَنْعِهِ؛ لأن له حَقَّ الذِّمَّةِ والعهد: أَلاَّ يُرْزَأُوا في أبدانهم، ولا أموالهم، ولا أَهَالِيهِمْ وأولادهم. ومن الرُّزْءِ السَّوْمُ عليه، وإخْرَاجُهُ مما دَخَلَ فيه، وإبْعَادُهُ مما قَرُبَ منه.

ومسائل حديث فَاطِمَةَ تَأْتِي في كتاب الطَّلاَقِ إن شاء الله تعالى.

بَابُ الْعَزْلِ وَكَرَاهِيَتِهِ

[1136] ذَكَرَ حَدِيثَيْ جَابِرٍ قال: =يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّا كُنَّا نَعْزِلُ، فَزَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهَا الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فَقَالَ: كَذَبَتِ الْيَهُودُ؛ إذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَخْلُقَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ+. هذه رواية مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ، عن جَابِرٍ.

[1137] ورواية عَطَاءٍ عنه: =كُنَّا نَعْزِلُ، وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ+.

[1138] وذَكَرَ حديث قَزَعَةَ، عن أَبِي سَعِيدٍ قال: =ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ *، فَقَالَ: لِمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ؟ وَلَمْ يَقُلْ: لاَ يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ+. أحاديث صِحَاحٌ حِسَانٌ، ورواية عَطَاءٍ أَصَحُّ.

الإسناد:

في الْبُخَارِيِّ عن أَبِي سَعِيدٍ، قال النبي *: =وَإنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ؟! ـ ثَلاَثًا ـ مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، إلاَّ وَهْيَ كَائِنَةٌ+.

وخَرَّجَ مُسْلِمٌ من رواية(مَعْبَدِ بْنِ سِيرِينَ: =لاَ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تَفْعَلُوا،

فَإنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ+.

وفي رواية: =مَا مِنْ نَفْسٍ مَخْلُوقَةٍ، إلاَّ اللهُ خَالِقُهَا+.

وفي رواية)أَبِي الْوَدَّاكِ: =مَا مِنْ كُلِّ الْمَاءِ يَكُونُ الْوَلَدُ، إذَا أَرَادَ اللهُ خَلْقَ شَيْءٍ، لَمْ يَمْنَعْهُ شَيْءٌ+. وذَكَرَ أحاديث كثيرة في الْمَعْنَى.

الأصول:

في مسألتين:

الأولى: لا خلاف بين أهل السُّنَّةِ أن الأمور تَجْرِي على قضاء من الله وقَدَرٍ، وعِلْمٍ سابق، وكتاب مُتَقَدِّمٍ، وإن كان عَلَّقَهَا بالأسباب، فلا حَظَّ للأسباب فيها، إلا أنها علامات على وجود ما قَدَّرَ وعَلِمَ وخَلَقَ، فأما أن يَكُونَ لها تأثير، أو يُنْسَبَ إليها عَمَلٌ، فلا سبيل إلى ذلك في التوحيد.

الثانية: لله إرادة ـ صفة من صفاته ـ تَتَعَلَّقُ بالمخلوقات فيما عليه من الصفات والتَّقَدُّمِ والتَّأَخُّرِ الآيِلَيْنِ إلى الأوقات، لا موجود إلا بها، ولا يَخْرُجُ عنها، و (إن يُخْلَقْ للمخلوق) إرادة، فإنما هي تحتها، ومُصَرَّفَةٌ بِحُكْمِهَا، كما أَخْبَرَ تعالى بقوله: ×$ tBur تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ uن! $ t±o- ھ! $#÷. فإذا اجْتَهَدَ الْعَبْدُ واسْتَنْفَدَ الْوُسْعَ، وتَعَلَّقَتْ إرادته بالشيء ولم يُرِدْهُ الْبَارِي، لم يَكُنْ. وإذا دَفَعَهُ، وقد شَاءَهُ، وُجِدَ على رُغْمِ أَنْفِهِ.

وخَالَفَتِ الْقَدَرِيَّةُ، فقالت: إرادة الْعَبْدِ تَنْفُذُ، وإرادة الله تَبْطُلُ. (تَعَالَى اللهُ عن قولهم عُلُوًّا كبيرًا) ، وقد بَيَّنَّاهُ في كُتُبِ الأصول، وهو أَبْيَنُ من بَيِّنٍ.

الأحكام:

في ثلاث مسائل:

الأولى: اخْتَلَفَ الناس في الْعَزْلِ، فكان مِمَّنْ كَرِهَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ مِنْ غير تحريم، وكان مِمَّنْ أَجَازَهُ سَعْدٌ، وأَبُو أَيُّوبَ.

والمشهور عند العلماء جوازه؛ لأن النبي * أَذِنَ فيه وأَبَاحَهُ؛ فإنهم سَأَلُوهُ عن جوازه، فقال لهم: وأَيُّ شيء عليكم في تَرْكِهِ، إن كنتم تَخَافُونَ الولد، فكل ولد قَدَّرَهُ الله لا بُدَّ أن يَكُونَ، فكم من رجل لا يَعْزِلُ، ولا يَكُونُ ولد، ولو كان الولد عن إرسال الماء ضَرْبَةَ لاَزِبٍ؛ لكان لهم أن يَتَّقُوهُ، فأما والحال فيه مختلفة، والْحُكْمُ به لغيرهم، فليس لامتناعهم عنه وَجْهٌ. وكأنه تحريض على السُّكُونِ تحت جَرَيَانِ المقادير، وتَرْكِ الْحَذَرِ من المباح، والثِّقَةِ بِصُنْعِ الله فيما يُرِيدُ.

(فإن قِيلَ: قد رَوَتْ عَائِشَةُ، عن جُدَامَةَ: =ذُكِرَ الْعَزْلُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ *، فَقَالَ: ذَاكُمُ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ+.

قلنا: في الحديث اضطرابٌ، منه أنه قد رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عن أَبِي الأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ.

وتارة رَوَاهُ عن يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عنه.

وقد قال قوم: إن ذلك كان قَبْلَ أن يُبَيِّنَ اللهُ له جواز ذلك، فكان يَتَّبِعُ اليهود فيما لم يُبَيَّنْ له فيه شَرْعٌ، ثم يَعْرِفُ بَعْدُ ذلك بِشَرْعِهِ.

وهذا سَقَطٌ عظيم؛ فإن النبي * إنما كان يُحِبُّ موافقة أهل الكتاب فيما لم يَنْزِلْ عليه فيه شَيْءٌ، فيما لم يَكُنْ مِنْ تَبْدِيلِهِمْ وكَذِبِهِمْ، وإنما كان من شَرْعِ مُوسَى - لهم، وقد صَرَّحَ عنهم في قولهم: إن الْعَزْلَ هي الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، أنه كَذِبٌ بَحْتٌ، فكيف يَصِحُّ أن يَكُونَ معهم على كَذِبِهِمْ، (ويُخْبِرَ به كَخَبَرِهِمْ) ، ثم يُكَذِّبَهُمْ فيه؟! هذا مُحَالٌ عَقْلًا، لا يَجُوزُ على الأنبياء، وإنما الحديث ساقط، أو مُخْتَلُّ النَّقْلِ، والله أعلم.

وفي الحديث الْحَسَنِ: =أَنَّ النَّبِيَّ * كَرِهَ عَزْلَ الْمَاءِ عَنْ مَحَلِّهِ+. ويَدُلُّ عليه قوله: =مَا عَلَيْكُمْ أَلاَّ تَفْعَلُوا+.

وظَنَّ بعض مَنْ تَكَلَّمَ على الحديث أن معنى قوله: =مَا عَلَيْكُمْ أَلاَّ تَفْعَلُوا، إنَّمَا هُوَ الْقَدَرُ+. أن الله إذا أَرَادَ خَلْقَ شيء، أَوْصَلَ من الماء المعزول إلى الرَّحِمِ ما يَخْلُقُ منه الولد. وليس كذلك، وإنما الله إذا أَرَادَ خَلْقَ شيء، سَلَبَهُ إرادة الْعَزْلِ، وإذا لم يُرِدْ أن يَخْلُقَ، لم يَنْفَعْهُ إرسال الماء.

وقد كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقْذِفُهَا فِي طَسْتٍ، وَيَقُولُ لِلْجَارِيَةِ تَرَاهَا فِي الطَّسْتِ: فَلاَ تَقُولِينَ: كَانَ، وَلاَ كَذَا).

الثانية: الْوَطْءُ حَقُّ الزوج باتفاق من العلماء، وهل للمرأة فيه حَقٌّ، أم لا؟

قال مَالِكٌ: لها حَقُّ المطالبة به، إذا تَرَكَهُ قَصْدَ الإضرار.

وقال الشَّافِعِيُّ وأَبُو حَنِيفَةَ: لا حَقَّ لها فيه، إلا في وَطْأَةٍ واحدة يَسْتَقِرُّ بها الْمَهْرُ.

وإذا كانت الحال هكذا، فَالْعَجَبُ أن يَكُونَ لها حَقٌّ في الْعَزْلِ عند العلماء، ولا حَقَّ لها في أصل الوطء! فإن كان هذا القول (منهم في الْوَطْأَةِ الأولى التي هي حَقُّهَا، فيمكن. وإن كان في كل وَطْءٍ، فهذا إنما يَسْتَقِيمُ) على مَذْهَبِ مَالِكٍ وَحْدَهُ، والله أعلم.

الثالثة: اتَّفَقُوا على أَلاَّ عَزْلَ عن الأَمَةِ المتزوجة، إلا بِإذْنِ مَوْلاَهَا. وهذا ضعيف؛ فإن الْوَطْءَ حَقُّ الزوجين، والولد لا يَتَعَلَّقُ به حَقٌّ، لا للزوجين، ولا لِلْمَوْلَى.

بَابُ الْقَسْمِ

[1139] أَبُو قِلاَبَةَ، عن أَنَسٍ، قال: =لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ *، وَلَكِنَّهُ قَالَ: السُّنَّةُ إذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى امْرَأَتِهِ، أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا، وَإذَا تَزَوَّجَ الثَّيِّبَ عَلَى امْرَأَتِهِ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثًا+. حَسَنٌ صحيح.

الإسناد:

في مُسْلِمٍ عن أُمِّ سَلَمَةَ، قال لها النبي *: =إنْ شِئْتِ أَنْ أُسَبِّعَ لَكِ وَأُسَبِّعَ لِنِسَائِي+.

وفي حديث مَالِكٍ الْمُرْسَلِ: =إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَإنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ، ثُمَّ دُرْتُ. قَالَتْ: ثَلِّثْ+.

وفي رواية عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: =لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلاَثٌ+. مُرْسَلٌ، كُلُّهُ في الصحيح.

والْمُخَالِفُ لنا أَبُو حَنِيفَةَ يقول بِالْمُرْسَلِ تَثْبُتُ المسألة معه.

الأحكام:

العارضة فيها: أن هذا لا يَقْتَضِيهِ قياس؛ لأنه ليس له نَظِيرٌ يُشَبَّهُ به، ولا أصل يُرْجَعُ إليه، وإنما هي سُنَّةٌ مَحْضَةٌ، أَمَا إنَّ العلماء قالوا: إن فيه حِكْمَةً، وهي أن عَقْدَ النكاح صِلَةٌ، والحديث يُفَارِقُ القديم في ذلك؛ لأن عند مَبْدَأِ الزِّفَافِ يَكُونُ القلب منها بين نَفْرَةٍ وسَكَنٍ؛ لِمَكَانِ الْحِشْمَةِ، فَتُونَسُ بزيادة الْمُقَامِ، حتى تَلْحَقَ بالأولى في حُكْمِ المعاشرة؛ ولِيَسْتَوْفِيَ الزوج لَذَّتَهُ من الثانية، فلكل جديد لَذَّةٌ، ولَمَّا كان قلب الْبِكْرِ أَنْفَرَ من قلب الثَّيِّبِ زِيدَتْ في الْمُقَامِ؛ لِيَتَمَكَّنَ الأُنْسُ، فهذه حِكْمَةٌ، والدليل فِعْلُ الشارع وقوله *.

وكل ما للقوم من أَثَرٍ أو نَظَرٍ، تَرُدُّهُ هذه الأحاديث الصريحة، بَيْدَ

أنهم مَشَوْا (عليها في التأويل) على غير جَادَّةٍ، قالوا: إن النبي * قال لأُمِّ سَلَمَةَ: =إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ، وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ+. لِيُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ.

قلنا: قد قال لها: =وَإنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ وَدُرْتُ+. فَخَيَّرَهَا في الفضل، وأَخْبَرَهَا بِالْحَقِّ.

قالوا: مَعْنَى قَوْلِهِ: دُرْتُ بِالتَّثْلِيثِ.

قلنا: هذه زيادة لا تُقْبَلُ إلا بدليل ظاهر، مع أنه يَرُدُّهَا قوله: =لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَللثَّيِّبِ ثَلاَثٌ+. فَجَعَلَهُ حَقًّا مُبْتَدَأً.

وقد رَوَى أَبُو دَاوُدَ، عن أَنَسٍ: =أَنَّ النَّبِيَّ * لَمَّا بَنَى بِصَفِيَّةَ، أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلاَثًا، وَكَانَتْ ثَيِّبًا+. وسَنَدُهُ صحيح جِدًّا.

والْحَقُّ فيه للزوج والزوجة، ومَنْ قال: إنه حَقٌّ للزوج، فقد أَخْطَأَ؛ قال النبي * لأُمِّ سَلَمَةَ: =لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ+. الحديث. فَجَعَلَ الْحَقَّ لها.

وقول أَنَسٍ: =السُّنَّةُ+. تَقْضِي على هذا كله، على ما بَيَّنَّاهُ في أصول الفقه.

وقد جَعَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، عن مَالِكٍ واجبًا على الزوج.

وقال ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عنه: إنه مُسْتَحَبٌّ.

وقال الأَوْزَاعِيُّ وسُفْيَانُ: إذا تَزَوَّجَ الْبِكْرَ على الثَّيِّبِ، أَقَامَ عندها ليلتين. ولِلأَوْزَاعِيِّ تفصيل لا يُعَضِّدُهُ أَثَرٌ ولا نَظَرٌ، تَرَكْنَاهُ لذلك.

وقد اخْتَلَفَ علماؤنا هل يُقْضَى بذلك على الزوج، (أم لا) ؟

أَمَّا إنْ قلنا: إنه لها، أو بينهما، فقال أَصْبَغُ في =كتاب مُحَمَّدٍ+: لا يُقْضَى عليه؛ كما بَيَّنَّا أنه مُسْتَحَبٌّ عن مَالِكٍ، أصله الْمُتْعَةُ.

والصحيح أنه يُقْضَى عليه به، كما يُقْضَى عليه بأصل الْقَسْمِ، فكذلك

بتفصيله.

وقد قال أَبُو الْفَرَجِ عن ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ: إن ذلك على الزوج، وإن لم يَكُنْ عنده امرأة سواها.

وهذا لا معنى له، ولا يُتَصَوَّرُ، فلا يُلْتَفَتُ إليه؛ كما قال ابْنُ حَبِيبٍ.

وقد ذَكَرَ ابْنُ المَوَّازِ عن مَالِكٍ: أن الزوج لا يُخَيِّرُ الزوجة بحال، وإنما يَكُونُ لها ثَلاَثٌ ثَيِّبًا، وسَبْعٌ بِكْرًا.

وقال ابْنُ الْقَصَّارِ: يُخَيِّرُ؛ أَخْذًا بظاهر الحديث. وقد كان التَّخْيِيرُ أَوَّلًا، ثم اسْتَقَرَّ الأمر على أنه حَقٌّ مشروع بقوله: =لِلْبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلاَثٌ+.

تكملة:

[1140] عَقَّبَهُ أَبُو عِيسَى في التَّسْوِيَةِ بين الضرائر بحديث عَبْدِ اللهِ بْنِ يَزِيدَ، عن عَائِشَةَ: =أَنَّ النَّبِيَّ * كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلاَ تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ، وَلاَ أَمْلِكُ+. وصَحِيحُهُ عن أَبِي قِلاَبَةَ مُرْسَلًا.

[1141] وذَكَرَ حديثًا أَسْنَدَهُ هَمَّامٌ وَحْدَهُ، عن قَتَادَةَ، عن النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عن بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النبي *: =إذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُلِ امْرَأَتَانِ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَيْنَهُمَا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ+. ولم يُسْنِدْهُ إلا هَمَّامٌ، وإنما يُعْرَفُ من قول قَتَادَةَ: =كَانَ يُقَالُ+.

قال الإمام الحافظ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: قال الله تعالى: ×` s9ur (# q م e9 دـ tF َ، n@

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت