فهرس الكتاب
وقد قال علماؤنا بِجُمْلَتِهِمْ: إن مَنِ اشْتَرَى جَارِيَةً، فَظَهَرَ منها على أنها قَيْنَةٌ، فله الْخِيَارُ. ولو كان عندهم بَيْعُهَا غير جائز، لَحَكَمُوا بِفَسْخِهِ، ولم يَجْعَلُوا له خِيَارًا فيه، وإنما جُعِلَ الْخِيَارُ له فيها؛ لِمَا عليه من الْمَشَقَّةِ في حِفْظِهَا، والتَّكَلِّفِ لِسَعَةِ آمَالِهَا، والسَّعْيِ في قَطْعِ الْعَلائِقِ التي تَرْتَبِطُ بِالْغِنَاءِ من فساد المقاصد، والتَّشَوُّفِ إلى الْخُلْطَةِ، وعَوَاقِبُ ذلك كله غير محمودة.
بَابُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ، وَالأَخَوَيْنِ
[1283] ذَكَرَ حديث أَبِي أَيُّوبَ: =مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا، فَرَّقَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ+. وهو حديث حَسَنٌ غريب.
[1284] وذَكَرَ حديث عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قال: =وَهَبَ لِي رَسُولُ اللهِ * غُلامَيْنِ أَخَوَيْنِ، فَبِعْتُ أَحَدَهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ *: يَا عَلِيُّ، مَا فَعَلَ غُلامُكَ؟ فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: رُدَّهُ رُدَّهُ+. حَسَنٌ غريب.
[الأحكام] :
قال الإمام الحافظ: مسألة غريبة، شُهْرَتُهَا أَوْفَى من أحاديثها، وهي تَدُورُ على ثلاثة فُصُولٍ:
الفصل الأول: في الأقوال فيها.
وقَدِ اخْتَلَفَ العلماء فيها على أربعة أقوال:
الأول: أنه لا يُفَرَّقُ بين الْوَالِدَةِ ووَلَدِهَا، ولا بين الْوَالِدِ ووَلَدِهِ، ولا بين الأَخَوَيْنِ والأُخْتَيْنِ. قاله أَبُو حَنِيفَةَ.
الثاني: أنه يُفَرَّقُ بين الْوَالِدِ ووَلَدِهِ. قاله ابْنُ الْقَاسِمِ.
الثالث: أن ذلك في الْحَرْبِيَّاتِ، لا في الْمُوَلَّدَاتِ الذين وُلِدُوا في أرض الإسلام.
الرابع: تَجُوزُ الْفُرْقَةُ، إذا أَذِنَتْ في ذلك الأُمُّ. قاله إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ. وبه قال مَالِكٌ وابْنُ الْقَاسِمِ في إحدى رَوَايَتَيْهِ.
ورَوَى عنه مُحَمَّدٌ وقال ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا يَجُوزُ ذلك.
التوجيه:
هذه المسائل تَنْبَنِي على أن الْجَمْعَ حَقُّ الأُمِّ، أو حَقُّ الْوَلَدِ. في ذلك لعلمائنا ثلاثة أقوال:
الأول: أنه حَقُّ الْوَلَدِ.
الثاني: أنه حَقُّ الأُمِّ.
الثالث: أنه حَقُّ الله.
فإن قلنا: إنه حَقُّ الْوَلَدِ لِلرِّفْقِ به، أو حَقُّ الله، لم يَعْمَلِ الرِّضَا في إسقاطه. وإن قلنا: إنه حَقُّ الأُمِّ، عَمِلَ فيه الرِّضَا. ولهذا يَشْهَدُ طَعْمُ الحديث؛ فإنه رُوِيَ: =لاَ تُوَّلَهُ وَالِدَةٌ عَلَى وَلَدِهَا+. أَيْ: لا تُخْرَجُ إلى الْوَلَهِ، وهو الحُزْنِ الذي يُخْرِجُ عن التَّحْصِيلِ بِغَلَبَتِهِ على الْعُقُولِ.
الثاني: وإن قلنا: إنه حَقُّ الأُمِّ، فَالأَبُ مِثْلُهَا، وإنما أَمَّرَهَا عليه؛ لِمَا عندها من مَزِيدِ اللُّطْفِ به.
وأما الأَخَوَانِ، فحديث عَلِيٍّ حُجَّةٌ فيه، وقال علماؤنا: نَحْمِلُهُ على الاستحباب. والحقيقة فيه: أنه لو رَاعَى الْمَحْرَمِيَّةَ، لِمَا جَازَتِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَهُ وبين الخالة والْعَمَّةِ؛ لوجود الْمَحْرَمِيَّةِ بينهم.
الفصل الثاني: في حَدِّ التَّفْرِقَةِ.
وفي ذلك خمسة أقوال:
الأول: إذا اتَّغَرَ، بِالتَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بِاثْنَتَيْنِ من فوقها، يَعْنِي: إذا أَسْقَطَ ثَغْرَهُ. قاله مَالِكٌ.
الثاني: إذا عَرَفَ ما يُؤْمَرُ ويُنْهَى. قاله ( ... ) .
الثالث: إذا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ. قاله الشَّافِعِيُّ.
الرابع: إذا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ. قاله ابْنُ وَهْبٍ واللَّيْثُ.
الخامس:(إذا بَلَغَ. قاله أَبُو حَنِيفَةَ، وابْنُ غَانِمٍ عن مَالِكٍ.
السادس): لا يُفَرَّقُ بينهما أبدًا. قاله ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عنه.
التوجيه:
أما مَنْ قال: يُفَرَّقُ بينهما إذا بَدَّلَ أَسْنَانَهُ، فلأنه في تلك الحال يَسْتَغْنِي عن أُمِّهِ في معظم أحواله، فإنه يُدَبِّرُ في شَأْنِهِ ويَعْتَمِلُ، ويَقُومُ بالإعراب عن حاجاته ويَسْتَقِلُّ.
وأما مَنْ قال: إنه يُفَرَّقُ بينهما لِسَبْعِ سِنِينَ؛ فلأنها حالة معظم الاتِّغَارِ، ووَقْتٌ (يَشْتَغِلُ فيه) بِمَيْزِ الأمور الكبار؛ ولأَجْلِهِ جَاءَ في الحديث: =مُرُوهُم بِالصَّلاَةِ لِسَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُم عَلَيْهَا لِعَشْرٍ+. وهو وَجْهُ مَنْ قال: الْعَشَرَةُ الأَعْوَامِ، والْمَعْنَى هو الْمَعْنَى.
وأما مَنْ قال: البلوغ؛ فلأنها الاستقلال التَّامُّ، وأَجَلُ عَمَلِ التكليف الْعَامِّ، ويَجْرِي عليه قَلَمُ الْعِقَابِ.
وأما مَنْ قال: لا يُفَرَّقُ بينهما أبدًا؛ فَلأَجْلِ أنه جَعَلَهُ حَقَّ الأُمِّ. وهو ظاهر الحديث الْمَرْوِيِّ.
والصحيح هو الاتِّغَارُ؛ فإنه إذا لم يَكُنْ بُدٌّ من التَّفْرِقَةِ، فذلك أول الأوقات التي يَسْتَغْنِي فيها عنها، وآخِرُهَا البلوغ، وأوسطها الْعَشْرُ، فإما أن يَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بأول الأحوال، وإما بأوسطها، وإما بِآخِرِهَا، وهي مسألة
أصولية، والله أعلم.
تركيب:
فإن فُرِّقَ بين الْوَالِدَةِ ووَلَدِهَا، رُدَّ الْبَيْعُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ عن عَلِيٍّ: =أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ * عَنْ ذَلِكَ، وَرَدَّ الْبَيْعَ+. وقد اخْتَلَفَ علماؤنا في جِهَةِ الْجَمْعِ هل يَكُونُ في مِلْكٍ، أو في حَوْزٍ، بفروع وتوجيهات، ليس لها موضع من العارضة، فَأُرْجِيَتْ إلى موضعها، إن شاء الله.
[1290] السابع والعشرون: =نَهَى النَّبِيُّ * عَنِ المُحَاقَلَةِ وَالمُزَابَنَةِ وَالمُخَابَرَةِ وَالثُّنْيَا+.
قال الإمام الحافظ: الحديث صحيح، والمُحَاقَلَةُ والمُزَابَنَةُ قد تَقَدَّمَا، وأما المُخَابَرَةُ، فقال قَوْمٌ: معناه: معاملة النبي * لِخَيْبَرَ، نَهَى عن ذلك لِمَعْنَيَيْنِ:
أحدهما: أن ذلك منسوخ.
الثاني: أنه كان اليهود عَبِيدًا له، فَأَعْطَى مَالَهُ لِعَبِيدِهِ، على وَجْهٍ لا يَجُوزُ مع غيرهم؛ لأن حُكْمَ السَّيِّدِ مع عَبْدِهِ في ماله حُكْمُهُ مع نَفْسِهِ. قاله أصحاب أَبِي حَنِيفَةَ.
وهذا فاسد، نُبَيِّنُهُ في الْمُسَاقَاةِ إن شاء الله. وإنما حقيقة الْمُخَابَرَةِ: الْمُزَارَعَةُ، والْخَبِيرُ: هو الأَكَّارُ؛ لأنه يَخْبُرُ الأَرْضَ، أَيْ: يُثِيرُهَا ويَسْتَخْرِجُ خَبَايَاهَا. وبهذا احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ على مَنْعِ الْمُزَارَعَةِ، وقد زَارَعَ النبي * أَهْلَ خَيْبَرَ، فَبَطَلَ ما قاله الشَّافِعِيُّ، وإنما المُخَابَرَةُ المَنْهِيُّ عنها هي المُزَارَعَةُ في الأرض ببعض ما يَخْرُجُ منها، فبذلك تَنْتَظِمُ الأحاديث، ويَرْتَفِعُ التَّعَارُضُ عنها.
وأما الثُّنْيَا في العربية =فُعْلَى+ بِضَمِّ الْفَاءِ مِنْ ثَنَى يَثْنِي: إذا عَادَ إلى الشيء مَرَّةً أخرى. ومعناها في الأحكام في الْبُيُوعِ والأَيْمَانِ: أن يَذْكُرَ كلامًا يَقْتَضِي بعمومه مَعَانِيَ، أو مَعْنًى، ثم يَثْْنِي على ما ذَكَرَ، فَيُخْرِجُ بعض المعاني من مُقْتَضَى لَفْظِهِ، أو بعض أحوال الْمَعْنَى.
فَأَذِنَ الشرع في ذلك في الأَيْمَانِ والْبُيُوعِ بتفصيل وشروط، بَيَانُهَا في بابها.
الأحكام:
في ثلاث مسائل:
الأولى: اخْتَلَفَ الناس في الْمُخْرَجِ بِالثُّنْيَا مِنْ مُقْتَضَى القول، هل تُبَيِّنُ الثُّنْيَا أنه لم يَدْخُلْ قَطُّ في الكلام، أو دَخَلَ فيه ثم خَرَجَ؟
فأما دخوله في الكلام، فَيَنْبَنِي على مسألة أصولية، وهي أن العموم هل له صِيغَةٌ، أم لا؟
فإن قلنا: له صِيغَةٌ، كان إخراجًا لِمَا دَخَلَ في الكلام. وإن قلنا: لا صِيغَةَ له، لم نَقُلْ: إنه دَخَلَ فيه، وإنما هو بَيَانٌ لِمُقْتَضَاهُ.
وهَبْنَا أَنَّا قلنا: إن العموم له صِيغَةٌ، هل الأمر إلا مَنُوطٌ بِقَصْدِ المتكلم، فإن كان لم يُدْخِلْهُ في اللفظ، لم يَتَنَاوَلْهُ اللفظ بحال، وإن كان دَخَلَ في اللفظ بِنِيَّةٍ، وقد أَخْرَجَهُ، فَيَخْرُجُ في أحكام الظاهر ضَرُورَةً، وهل يَخْرُجُ في أحكام الباطن، أم لا؟ مسألة خلاف بين العلماء.
ومِثَالُهُ: أن الرجل إذا قال: نِسَائِي طَوَالِقٌ. ثم قال: إلا زَيْنَبَ. فقد يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ إخْرَاجُ زَيْنَبَ بعد إرادتها بِقَلْبِهِ، فَاسْتَدْرَكَ، فَثَنَى عليها بالإخراج.
ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ قد عَقَدَ ذلك بِأَوَّلِ نِيَّةٍ.
فإن كان قد عَقَدَ ذلك من أَوَّلَ بِنِيَّةٍ، وأَعْلَنَ بذلك، فلا يُلاَمُ.
وإن قال: ما بَنَيْتُ عليها الْقَوْلَ بالإخراج إلا بعد تَمَامِ الكلام، وجَزْمِ النِّيَّةِ، ثم عُدْتُ إليها، فَاسْتَدْرَكْتُ إخراجها، فقد وَقَعَ لِمُحَمَّدٍ: أن الاستثناء في الْيَمِينِ لا يَنْفَعُهُ إلا أن يَكُونَ معقودًا في نَفْسِهِ مع الْيَمِينِ، أو قَبْلَ تَمَامِهَا في نَفْسِهِ، ثم يُظْهِرُ من ذلك ما أَضْمَرَ.
ومَنْ قال هذا، فقد خَفِيَ عليه مَعْنَى الاستثناء وفائدته في الشريعة، وقد بَيَّنَّا ذلك في موضعه.
الثانية: إذا فَهِمْتُم هذا الْعَقْدَ، فَالثُّنْيَا في البيع تَكُونُ على وجوه في أموال، وأكثر ما وَقَعَتْ وأَشْكَلُ ما نَزَلَتْ في الثِّمَارِ، وقَدِ اخْتَلَفَ فيها السَّلَفُ، فَيُرْوَى عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: جَوَازُهَا، ومَنْعُهَا. والْمَنْعُ أَسْنَدُ، والْجَوَازُ أَصَحُّ. هكذا في الْجُمْلَةِ.
وتفصيلها: أنه إذا اسْتَثْنَى، فله أربع صُوَرٍ:
الأولى: أن يقول: إلا رُبُعَهَا، إلا ثُلُثَهَا، إلا نِصْفَهَا، إلا ثُلُثَيْهَا.
الثانية: أن يقول: إلا صَاعًا، إلا كَذَا صَاعًا.
الثالثة: أن يقول: أَبِيعُ ثَمَرَتِي بمائة، إلا وَاجِبَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ.
الرابع: أن يقول: أَبِيعُ حَائِطِي إلا هذه الشَّجَرَاتِ.
فأما الأول، فلا خلاف في الثُّلُثِ، واخْتُلِفَ فيما زَادَ عليه؛ بِنَاءً على أن استثناء الأكثر من الْجُمْلَةِ كَلاَمٌ، أو لَعِبٌ. وعَبْدُ الْمَلِكِ من أصحابنا مَنَعَهُ لذلك.
وأما إذا اسْتَثْنَى أَصْوُعًا مَعْلُومَةً، فقال مَالِكٌ: يَجُوزُ إذا لم يُجَاوِزِ الثُّلُثَ، وعليه العمل بِالْمَدِينَةِ. وقال الشَّافِعِيُّ وأَبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ. ورَأَوْهُ غَرَرًا؛ للجهالة التي فيه، إذ لا يُعْلَمُ قَدْرُهُ، ولا يُحَاطُ به.
وهذا كان يَصِحُّ لهم لو قالوا: لا يَجُوزُ بيع الثَّمَرَةِ إلا على الْكَيْلِ، فإذا جَازَ بيعها في رؤوس النَّخْلِ على الْجُزَافِ، فقد دَلَّ ذلك على أنها معلومة بِالْحَزْرِ، وذلك أمر مُدْرَكٌ بالمشاهدة والتَّجْرِبَةِ، وإذا عُلِمَتِ الْجُمْلَةُ، عُلِمَ التَّفْصِيلُ من أَجْزَاءِ الْجُمْلَةِ.
فإن قِيلَ: فلو كانت مُصَبَّرَةً، أَيَجُوزُ ذلك فيها؟
قلنا: قال ابْنُ الْمَاجِشُونِ عن مَالِكٍ: لا يَجُوزُ أن يَسْتَثْنِيَ من الصُّبْرَةِ شيئًا بحال، ولا جُزْءًا شائعًا.
ورَوَى غَيْرُهُ جَوَازَهُ. والأول أَصَحُّ؛ لأن الصُّبْرَةَ يُمْكِنُ كَيْلُهَا، وهذه لا يُمْكِنُ ذلك فيها؛ ألاَ تَرَى إلى اتفاقهم على بيع الصُّبْرَةِ كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ، ولا يَجُوزُ بيع ثَمَرِ الحائط على أن كُلَّ صَاعٍ بِكَذَا في أَصَحِّ الأقوال.
وأما إذا اسْتَثْنَى منه بِدَرَاهِمَ معلومة، فذلك جائز، ولا يَنْبَغِي أن يَكُونَ فيه خِلاَفٌ مِنَّا؛ لأن تَقْدِيرَ الثَّمَنِ تَقْدِيرُ الْمَثْمُونِ.
وأما إذا اسْتَثْنَى شَجَرَاتٍ، فجائز بلا كلام؛ لانتفاء الْغَرَرِ، وتَعْيِينِ الْمَبِيعِ مِمَّا ليس بِمَبِيعٍ، فَارْتَفَعَ الخلاف.
ولو كان على أن يَخْتَارَهَا، فَقَدِ اخْتَلَفَ علماؤنا فيه، والصحيح أنه لا يَجُوزُ (ذلك؛ لأنه اسْتِثْنَاءُ مَجْهُولٍ. وظَنَّ بعض أصحابنا أنه لم يَجُزْ) ؛ لأنه ربما اخْتَارَ منها شَجَرًا، ثم جَعَلَهَا في غيرها، فَيَدْخُلُهُ التفاضل في الطعام.
وهذا فُرِّعَ على أنه جائز في الأصل، وإنما امْتَنَعَ بِالْمَآلِ، وهو ممنوع أصلًا؛ لأنه غَرَرٌ مجهول، لا يَتَحَصَّلُ، فلم يَجُزْ بيعه ابْتِدَاءً، ولا ثُنْيَاهُ انْتِهَاءً.
الثالثة: إذا بَاعَهُ عَشْرَةَ أَذْرُعٍ من دار، وهي مائة، قال في =مسائل
الخلاف+: صَحَّ، وقال أَبُو حَنِيفَةَ: لا يَجُوزُ؛ لأنه لَمَّا لم يُعَيِّنْهَا، صَارَتْ مجهولة.
والذي عندي فيها: أنها إن كانت مَبْنِيَّةً بِبُيُوتِهَا ومَنَافِعِهَا، لم يَجُزْ بحال؛ لاختلاف الْمَنَافِعِ والأغراض في كل عَشَرَةٍ، فلا يُعْلَمُ الْمَبِيعُ. وأما إن كانت مَسَاحَةً، فلا يَخْلُو أيضًا أن تَكُونَ متساوية الأطراف والجهات، أو مُخْتَلِفَةً. فإن كانت مُخْتَلِفَةً في ذلك، لم يَجُزْ لِلْغَرَرِ والجهالة.
وإن كان ذلك سَوَاءً فيها، جَازَ بيعها، وكان ذلك كبيعه لِعَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ من هذه الصُّبْرَةِ. وهذا دُسْتُورٌ في الباب يَدُلُّكَ على الباقي، فإنه كثير الفروع.
(الحادي والثلاثون) : بَابُ كَرَاهِيَةِ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتْيفَائِهِ.
[1291] عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عن طَاوُسٍ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ أن النبي * قال: =مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا، فَلاَ يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ+.
قال الإمام الحافظ: أحاديث الباب قد تَقَدَّمَ بعضها ومَنْزِلَتُهَا في الصِّحَّةِ والْحُسْنِ. وفيه أحكام كثيرة، جِمَاعُهَا في سبع مسائل:
الأولى: في ذِكْرِ الأقوال، وتَدْخُلُ(فيه
الثانية): وهو تصوير الْمَحَالِّ، وذلك أقوال:
الأول: الطعام الْمُعَيَّنُ الذي بَقِيَتْ فيه تَوْفِيَةٌ.
الثاني: الطعام الْجُزَافُ الْمُعَيَّنُ.
الثالث: طعام في الذِّمَّةِ، أو غَيْرُهُ.
الرابع: كل مأكول، حتى الْمِلْحُ وحَبُّ الْكُزْبَرِ وزَرِيعَةُ الْفُجْلِ، دون الْبَصَلِ والْكُرَّاثِ.
الخامس: التَّوَابِلُ كَالْكُزْبَرَةِ، ونَحْوٌ منه الْحُلْبَةُ.
(السادس: الْعُرُوضُ) .
السابع: الْعَقَارُ.
فإذا كان في الطعام حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فلا خلاف في أنه لا يُبَاعُ حتى يُقْبَضَ. وإذا كان مُعَيَّنًا جُزَافًا، قال مَالِكٌ: يُسْتَحَبُّ أَلاَّ يُبَاعَ حتى يُقْبَضَ. وقال غيره:(لا يُبَاعُ بِحَالٍ حتى يُقْبَضَ.
فإن كان في الذِّمَّةِ من قَرْضٍ، جَازَ بَيْعُهُ قبل قَبْضِهِ خاصة. والطعام المأكول كله على حُكْمِ غَيْرِهِ ـ كما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ)ـ لا يُبَاعُ قبل اسْتِيفَائِهِ، واخْتَلَفَ علماؤنا في التَّوَابِلِ على قِسْمَيْنِ.
وقال أَحْمَدُ: لا يُبَاعُ شيء من الطعام حتى يُقْبَضَ بِحَالٍ من الأحوال، والْعُرُوضُ تُبَاعُ قبل الْقَبْضِ.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ والشَّافِعِيُّ: لا تُبَاعُ قبل الْقَبْضِ. وهو مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وقال عُثْمَانُ وسَعِيدٌ: كُلُّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ لاَ يُبَاعُ قَبْلَ قَبْضِهِ خَاصَّةً.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: يُبَاعُ الْعَقَارُ وَحْدَهُ قبل الْقَبْضِ. وأصل هذه المسائل أن البيع قبل الْقَبْضِ هل هو مُعَلَّلٌ، أم لا؟ وقد تَقَدَّمَ من كلامنا أنه غير مُعَلَّلٍ، وإنما هو تُعَبُّدٌ.
وقال أَبُو حَنِيفَةَ: إنما لم يَجُزْ بيع ما لم يُقْبَضْ لِلْغَرَرِ؛ لأنه يُخْشَى انفساخ الْعَقْدِ بِهَلاَكِهِ، فإذا بَاعَهُ فَهَلَكَ، انْفَسَخَ البيع، فَدَخَلَ على غَرَرٍ، لا يَدْرِي هل يَحْصُلُ عليه، أم لا.
وعندنا أن الْمَبِيعَ بنفس الْعَقْدِ دَخَلَ في قَبْضِهِ، وحَصَلَ في ضَمَانِهِ إذا لم يَكُنْ فيه عَلَقَةٌ، فإن بَقِيَتْ فيه عَلَقَةُ تَوْفِيَةٍ، فهو من ضمان بائعه؛ لأنه لم
يَقْبِضْ هذا بَعْدُ.
وقال المخالفون: كذلك [إذا] لم يَقْبِضِ الْعَبْدَ والدَّابَةَ، فقد بَقِيَتْ فيها عَلَقَةٌ، فَيَنْبَغِي أن تَكُونَ من ضمان البائع.
وقَدِ اخْتَلَفَ قول الْمَالِكِيَّةِ فيما إذا حَبَسَ البائع حتى يُعْطَى الثَّمَنَ، فَهَلَكَ، هل يَكُونُ من ضمان البائع، أو ضمان المشتري؟ وهذا يَدُلُّ على أنه تَحْتَ يَدِهِ، وفي عَلَقَتِهِ إذا حَكَمْنَا بضمانه عليه، وهو ليس بِمُتَعَدٍّ في حَبْسِهِ، وإلى هذه النُّكْتَةِ أَشَارَ ابْنُ عَبَّاسٍ بقوله: =وَأَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ مِثْلَهُ+. وأَشَارَ أَبُو حَنِيفَةَ إلى أنه من جِهَةِ الْغَرَرِ. وقال مَالِكٌ: يَجُوزُ له حَبْسُهُ عن ثَمَنِهِ، وليس بِمُتَعَدٍّ فيه.
والعُمْدَةُ لنا في أنه يَضْمَنُهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ الْحَدِيثُ الصحيح: =أَنَّ النَّبِيَّ * قَضَى أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ+. فكل ما كانت له فَائِدَةُ الْعَيْنِ فإنها من ضمانه. (وتَعَلَّقَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ بِنُكْتَةٍ، وهي أن المشتري لو أَتْلَفَ الْمَبِيعَ قبل الْقَبْضِ، لكان من ضمانه) ، فكذلك إذا جَاءَ التَّلَفُ من غَيْرِهِ.
وأما مَنْ قال: إن ذلك مقصور على الطعام، فَتَعَلَّقَ بظاهر الحديث: =نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ+. وظَنَّ أن الْعِلَّةَ هي كَوْنُهُ طعامًا. وليس كذلك، وإنما الْعِلَّةُ إذا بَقِيَتْ فيه تَوْفِيَةٌ.
وأما مَنْ قال: إنه التَّوَابِلُ؛ فلأنها مُصْلِحَةُ الطعامِ، فَتَدْخُلُ مَدْخَلَ الطعام في هذا الْحُكْمِ، كما دَخَلَتْ مَدْخَلَهُ في باب الرِّبَا.
وأما مَنْ قال: الْعُرُوضُ وكُلُّ شيء، فهو الشَّافِعِيُّ وأَبُو حَنِيفَةَ ومَنْ سَاعَدَهُمَا، ومُتَعَلَّقُهُمُ النَّهْيُ عن بيع ما لم يَقْبِضْ مُطْلَقًا. ولم يَصِحَّ، وقد تَقَدَّمَتِ النُّكْتَتَانِ عليهم:
الْخَبَرِيَّةُ: وأَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ.
والْمَعْنَوِيَّةُ: وهي إتْلاَفُهُ قبل الضمان.
(الثاني والثلاثون) : بَابُ بَيْعِ الْخَمْرِ.
[1293] حديث أَبِي طَلْحَةَ أنه قال: =يَا نَبِيَّ اللهِ، إنِّي اشْتَرَيْتُ خَمْرًا لأَيْتَامٍ فِي حِجْرِي، قَالَ: أَهْرِقِ الْخَمْرَ، وَاكْسِرِ الدِّنَانَ+.
وذَكَرَ حديث الثَّوْرِيِّ، عن السُّدِّيِّ، عن يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عن أَنَسٍ:(=أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ كَانَ عِنْدَهُ+. وهو أَصَحُّ من الأول.
[1294] وذَكَرَ عن السُّدِّيِّ، عن يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عن أَنَسٍ)قال: =سُئِلَ النَّبِيُّ *: أَتُتَّخَذُ الْخَمْرُ خَلاًّ؟ قَالَ: لاَ+. وقال: حديث حَسَنٌ. وفي رِوَايَتِي عن الْمَرْوَزِيِّ، عن أَبِي عِيسَى: صحيح. وقد انْسَدَّ باب الصِّحَّةِ عليه بِكَوْنِ السُّدِّيِّ فيه.
[1295] ورَوَى حديث شَبِيِبِ بْنِ بِشْرٍ، عن أَنَسٍ قال: =لَعَنَ رَسُولُ اللهِ * فِي الْخَمْرِ عَشْرَةً: عَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَشَارِبَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وَبَائِعَهَا، وَآكِلَ ثَمَنِهَا، وَالْمُشْتَرِيَ لَهَا، وَالْمُشْتَرَاةَ لَهُ+. وقال: هو غريب.
الإسناد:
رَوَى مُسْلِمٌ عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قال: =سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ * يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إنَّ اللهَ يُعَرِّضُ بِالْخَمْرِ، فَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُنْزِلَ فِيهَا أَمْرًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ، (فَلْيَبِعْهُ وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ. قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إلاَّ يَسِيرًا، حَتَّى قَالَ *: إنَّ اللهَ حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ، وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ) ، فَلاَ يَشْرَبْ، وَلاَ يَبِعْ. فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْهَا فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ، فَصَبُّوهَا+. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
وخَرَّجَ عن ابْنِ عَبَّاسٍ: =أَنَّ رَجُلًا أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ * رَاوِيَةَ خَمْرٍ،
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ *: مَا عَلِمْتَ أَنَّ اللهَ حَرَّمَهَا؟ قَالَ: لاَ، فَسَارَّ إنْسَانًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ *: بِمَ سَارَرْتَهُ؟ قَالَ: أَمَرْتُهُ بِبَيْعِهَا، قَالَ: إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا، فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ، حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا+.
ورَوَى الْبُخَارِيُّ عن عَائِشَةَ قالت: =لَمَّا نَزَلَتِ الآيَاتُ فِي آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي الرَّبَا، وقَرَأَهَا رَسُولُ اللهِ *، حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ+.
الأحكام:
في (خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلةً) :
الأولى: أَدْخَلَ أَبُو عِيسَى حديث أَبِي طَلْحَةَ وأَنَسٍ في تحريم بيع الْخَمْرِ، وليس بصحيح، وتَرَكَ حديث أَبِي سَعِيدٍ وحديث ابْنِ عَبَّاسٍ وعَائِشَةَ، ويكاد أقطع على أنه قد بَلَغَتْهُ، أو بَعْضُهَا. ومع هذه الأحاديث الثلاثة يَنْقَطِعُ الْعُذْرُ، وتَقُومُ الْحُجَّةُ فيها.
الثانية: صَبُّهَا في الطريق، وقد قال *: =إمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ+. وَوَجْهُهُ: أن ذلك كان ضرورة؛ فإنه لم يَكُنْ بُدٌّ من إراقتها بعد تحريمها، ونَقْلُهَا وتَلْوِيثُ الحاملين لها وتَنْجِيسُهُمْ أَمْرٌ مُنْكَرٌ، وكان تَنْجِيسُ الطريق بها أَقْرَبَ إلى الخلاص منها، وصَارَ ذلك أصلًا في صَبِّ النجاسات في الطُّرُقِ عند الضرورة إلى ذلك، ولا سِيَّمَا إنْ كان مَطَرٌ، فإنه يُطَهِّرُهَا بعد ذلك.
الثالثة: قوله: =فَفَتَحَ الْمَزَادَةَ، حَتَّى ذَهَبَ مَا فِيهَا+. يَعْنِي: في موضعه الذي كان فيه. لأنه لَمَّا أَعْلَمَهُ بتحريمها ونجاستها، صَبَّهَا في الموضع، ولم يَتَلَبَّسْ بها، ولم يَقُلْ له النبي *: احْمِلْهَا إلى موضع الرُّحَاضَاتِ.
الرابعة: قال: =لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا، حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الْخَمْرِ+. قد
بَيَّنَّا في كتاب =الأحكام+ وغيره أن الرِّبَا هو كل بيع فاسد بما يَغْنِي عن إعادته هَهُنَا، وقد بَيَّنَّاهُ في صَدْرِ كتاب الْبُيُوعِ هَهُنَا، فَلْيُجَدَّدْ به عَهْدٌ في الموضعين، يَتَبَيَّنْ لكم إن شاء الله.
الخامسة: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الشَّاشِي في الدَّرْسِ، أَخْبَرَنَا أَبُو إسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَلِيٍّ الشِّيرَازِيُّ في الدَّرْسِ: =أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ سَأَلَ النَّبِيَّ * عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا، فَقَالَ: أَهْرِقْهَا، قَالَ: أَفَلاَ أُخَلِّلُهَا؟ قَالَ: لاَ. ولو جَازَ ذلك، لَنَدَبَ إليه كما نَدَبَ إلَى دِبَاغِ الْجِلْدِ فِي شَاةِ مَوْلاَةِ مَيْمُونَةَ، وكان أَوْلَى؛ لأنه مال الأَيْتَامِ+. وكثيرًا ما يُعَوِّلُ أَبُو إسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ على أحاديث اللاَّلَكَائِيِّ.
وأَخْبَرَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الأَزْدِيُّ ـ قُرِئَ عليه وقَرَأْتُهُ ـ قال: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ، عن لَيْثٍ، عن يَحْيَى بْنِ عَبَّادٍ، عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قال: حَدَّثَنِي أَبُو طَلْحَةَ: =أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ مَالٌ لِيَتَامَى، فَاشْتَرَى بِهِ خَمْرًا، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ـ قَالَ: وَمَا خَمْرُنَا يَوْمَئِذٍ إلاَّ مِنَ التَّمْرِ ـ قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ *، فَقُلْتُ: إنَّهُ كَانَ عِنْدِي مَالُ يَتِيمٍ، فَاشْتَرَيْتُ بِهِ خَمْرًا قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الْخَمْرُ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَكْسِرَ الدِّنَانَ وَأُهْرِيقَهُ، (فَأَتَيْتُهُ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ ذَلِكَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَكْسِرَ الدِّنَانَ وأُهْرِيقَهُ) +.
ويَغْلِبُ على ظَنِّي أن حديث أَبِي إسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ هو الذي ذَكَرَهُ أَبُو عِيسَى عن الثَّوْرِيِّ مقطوعًا.
وأَخْبَرَنِي أَبُو الْمُطَهَّرِ حَامِدُ بْنُ رَجَاءٍ الْخَطِيبُ بِأَصْبَهَانَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ الخُجَنْدِيُّ إمام الشَّافِعِيَّةِ قال لنا: اسْتِهْلاَكُ الْوَصْفِ مع بَقَاءِ الأصل لو كان مشروعًا؛ لَمَا أُبِيحَ اسْتِهْلاَكُ الأصل، كَجِلْدِ الْمَيْتَةِ لَمَّا رَأَى النبي * أن
فيها طريقًا إلى الصلاح بِالدِّبَاغِ، نَبَّهَ عليه، وأَحَقُّ المواضع بذلك كان في نازلة أَبِي طَلْحَةَ؛ لأنهم أَيْتَامٌ، وكان أصحاب الجِلْدِ مَالِكِينَ لأَمْرِ أَنْفُسِهِمْ.
فقال أَبُو حَنِيفَةَ: تَخْلِيلُ الخَمْرِ جائز، ويُحِلُّ. وربما قال بعضهم: إنه مندوب إليه؛ لأن فيه إصْلاَحَ فاسد.
وقال مَالِكٌ: هو مكروه، ويُحِلُّ.
وقال الشَّافِعِيُّ: هو حرام، ولا يُحِلُّ.
فأما الشَّافِعِيُّ، فَاعْتَمَدَ حديث أَبِي طَلْحَةَ. فإن عَوَّلْنَا على أنه لم يَصِحَّ الْحَدِيثُ، فلا كلام له، وإن سَلَّمْنَاهُ لهم ـ وهو الأَمْثَلُ في الْجَدَلِ ـ قلنا: إن هذا الْخَبَرَ بِنَصِّهِ يَقْتَضِي أنه كان في أول الحال، بل في يوم الحال، فَأَغْلَظَ النَّبِيُّ * لهم في هَرْقِ الْخَمْرِ وكَسْرِ الدِّنَانِ، (حتى يَتَقَادَمَ الزمان، وتَطْمَئِنَّ القلوب بالإيمان، ولأَجْلِ ذلك قال الشَّافِعِيُّ: إنه لا يُقْطَعُ زِقُّ خَمْرٍ، ولا يُكْسَرُ دَنٌّ. فالذي أَسْقَطَ كَسْرَ الدِّنَانِ) بذلك الْمِقْدَارِ يُسْقِطُ مَنْعَ التَّخْلِيلِ.
فإن قِيلَ: لا نُسَلِّمُ أن التَّخْلِيلَ مُنِعَ لِمَا ذَكَرْتُمْ، وإنما كان ذلك حُكْمًا يَتَعَلَّقُ بِالْخَمْرِ كَالْحَدِّ، وتحريم البيع، ولَعْنِ شاربها وعاصرها، وإن كان لِمَا ذَكَرْتُمْ، فَالْعِلَّةُ باقية؛ فإنها مُشْتَهَاةٌ مألوفة.
قلنا: فَلِمَ لا تَجْعَلُونَ كَسْرَ الدِّنَانِ من جُمْلَةِ الأحكام، فَتَبْقَى مع الأيام؟! فَإذْ لم تَفْعَلُوا ذلك، دَلَّ على أن قولكم تَحَكُّمٌ.
جواب آخَرُ: وذلك أن قولكم: إنها مُشْتَهَاةٌ طَبْعًا، مَأْلُوفَةٌ عَادَةً؛ فَلأَجْلِ ذلك حَرَّمْنَا تَخْلِيلَهَا. قلنا: لا يَسْتَقِلُّ هذا الكلام بالتحريم، وإنما غايته الْكَرَاهِيَةُ، وكذلك نقول: إنه يُكْرَهُ، ولا يُبَاحُ ولا يُنْدَبُ إليه كما قال أصحاب أَبِي حَنِيفَةَ.
السادسة: لا فَرْقَ في حديث أَبِي طَلْحَةَ (بين قوله) : =اشْتَرَيْتُ+. ولا بين قوله: =وَرِثُوا+. لأن شراءه على ما رَوَيْنَاهُ كان قبل تحريمها.
ويُتَصَوَّرُ الإرْثُ في رجل عَصَرَ عِنَبًا؛ لِيَطْبُخَهُ رُبًّا، فَعَاقَهُ عنه عائق حتى تَخَمَّرَ، فَبَقِيَ في يَدِهِ أو مَاتَ، فَوُرِثَ عنه. فَالشَّافِعِيُّ يقول: تَجِبُ إراقته، ولا يُخَلَّلُ؛ لأنه فِعْلٌ محظور، فلم يُبَحْ لفاعله، ولا أَفَادَهُ مَقْصُودَهُ من الْحِلِّ، أَصْلُهُ ذَبْحُ الْمُحْرِمِ.
قلنا: هذا القياس لا يُشْبِهُ نَظَرَ الشَّافِعِيِّ، ولا الأَئِمَّةِ من أصحابه؛ أما قولهم: فِعْلٌ محظور. فهو مسألة الخلاف، ولا نَجْعَلُهُ محظورًا، فكيف يَجْعَلُ أَحَدٌ مَحَلَّ الخلاف دليلًا؟!
فإن قالوا: الدليل على أنه محظور قول النبي * لأَبِي طَلْحَةَ في خَمْرِ الأَيْتَامِ: =لاَ تُخَلِّلْهَا+. ولحديث أَنَسٍ: =نَهَى النَّبِيُّ * أَنْ تُتَّخَذَ الْخَمْرُ خَلاًّ+.
قلنا: قد بَيَّنَّا أن ذلك لم يَصِحَّ. وإن صَحَّ، فَنَحْمِلُهُ على الكراهة، وأَنَّ ذلك إنما قُصِدَ به الرَّدْعُ في أول الحال، كما قُلْتَ أَنْتَ في كَسْرِ الدِّنَانِ.
وأما قوله: كَذَبْحِ الْمُحْرِمِ. فإن ذَبْحَ الْمُحْرِمِ لا يُفِيدُ مَقْصُودَهُ؛ لأن الْعِلَّةَ التي حَرَّمَتْهُ موجودة، وهي الْمَحْرَُمَةُ بِكَوْنِهِ في الْحَرَمِ، أو إحْرَامٍ، وهي موجودة في حال المحاولة، وهي موجودة بعد المحاولة، وهَهُنَا الْعِلَّةُ الْخَمْرِيَّةُ، فإذا زَالَتْ، ورَجَعَتْ خَلاًّ، عَادَتْ إلى أصل الْحِلِّ، فلم يَبْقَ شيء يُحَرِّمُهَا، ولا خلاف أنه إذا زَالَتِ الْعِلَّةُ، زَالَ الْحُكْمُ.
فإن قِيلَ: إذا طُرِحَ فيها ما يُخَلِّلُهَا، نَجِسَ، فإذا تَخَلَّلَتْ، بَقِيَ ذلك الْخِلْطُ نَجِسًا، فَنَجَّسَهَا؛ لأنه قد نَجِسَ بِمُلاَقَاتِهَا.
قلنا: هذا كلام فاسد؛ لأنك لا تُقَدِّرُ جزءًا من الْخَمْرِ لَقِيَ جزءًا من
الْخِلْطِ، إلا وقَدِ اسْتَحَالَ خَلاًّ، فَزَالَتِ الْعِلَّةُ كلها، كَالدَّنِّ إذا صَارَتِ الْخَمْرُ خَلاًّ، طَهُرَ؛ لأنك لا تُقَدِّرُ جزءًا من الْخَمْرِ يَقْتَضِي نَجَاسَتَهُ، إلا وقد زَالَ، فَصَارَ الدَّنُّ طاهرًا.
السابعة: قوله: =إنَّ رَجُلًا أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ * رَاوِيَةَ خَمْرٍ+. يَعْنِي: مَزَادَةً. وهي زِقٌّ كبير، فإذا عَظُمَتْ، جُعِلَ فَمُهَا مِنْ أَسْفَلَ، وتُسَمَّى الْعَزْلاَءَ. وأصل هذا الاسم لِلنَّغْبَةِ من الماء أو الشَّرْبَةِ، فإنها هي التي يَخْلُقُ الله عند شُرْبِهَا الرِّيَّ، فَتُسَمَّى رَاوِيَةً مَجَازًا.
ويقال للماء: مُرْوٍ. مَجَازٌ أيضًا، والْمُرْوِي (هو خالق الرِّيِّ) ، كما أَنَّ الزارع خالق الزرع: ×َ OcFRr&u ن ے¼ cmtRq مم u ÷ s? أَمْ نَحْنُ tbq ممح؛ ¨ 9$#÷.
وقولهم: رَاوِيَةٌ. أَيْ: ذَاتُ رِيٍّ، فهو مَجَازٌ ثَانٍ.
وتُسَمَّى الدَّابَةُ الحاملة لِظَرْفِ الماء وقِرْبَتِهِ رَاوِيَةً؛ لأنها تَحْمِلُ الرَّاوِيَةَ، فهو مَجَازٌ ثالث. وتَوَهَّمَ بعض الْغَفَلَةِ أن الرَّاوِيَةَ هي الدَّابَةُ، ولم يَفْهَمْ هذا التَّنْزِيلَ؛ لِضَعْفِهِ في العربية والحقائق.
الثامنة: قول النبي *: =إنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا+. ظَنَّ القائل أنها مُحَرَّمَةُ الشُّرْبِ خَاصَّةً، وغَابَ عنه عِلْمٌ عظيم، وذلك أنه لا مَنْفَعَةَ فيها مقصودة إلا الشُّرْبُ، وإذا حُرِّمَ مقصود الشيء، لم يَجُزْ بَيْعُهُ، وضَرَبَ النبي * للتحذير عنه مَثَلًا الْيَهُودَ بقوله في الحديث الصحيح: =لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا، وَإنَّ اللهَ إذَا حَرَّمَ شَيْئًا، حَرَّمَ ثَمَنَهُ+.
التاسعة: قوله: =جَمَلُوهَا+. يَعْنِي: أَذَابُوهَا؛ لِيَزُولَ عنها اسْمُ الشَّحْمِ وتَصِيرَ وَدَكًا. فكأنهم لم يَبِيعُوا شَحْمًا، ورَأَوْا تعليق الْحُكْمِ باسمها، كما تَفْعَلُ الطائفة السخيفة، وكما فَعَلَتِ الْحَنَفِيَّةُ في الْخَمْرِ، فإنها طَبَخَتْهُ؛ لِتُزِيلَ
عنه ـ بِزَعْمِهَا ـ اسْمَ الْخَمْرِيَّةِ، وتَشْرَبَهُ بِاسْمٍ آخَرَ، وهم الذين أَنْذَرَ النبي * بهم في الحديث الذي يُرْوَى: =يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا+. (ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ كاملًا) .
العاشرة: إبطال الحملة لإحلال الْمُحَرَّمِ، إذا خَالَفَتِ الشريعة.
الحادية عشرة: في ذلك كله دليل على أن النبي * إذا حرّم لذاته، لم يَجُزْ تصريفه للانتفاع به، وإذا حرّم لِمَعْنًى أو في حالة، انْقَسَمَ الْحُكْمُ فيه، واخْتَلَفَتِ الحال عليه.
[1297] دَلِيلُهُ قَوْلُ النبي * في الحديث الصحيح عن جَابِرٍ: =أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ * عَامَ الْفَتْحِ وَهْوَ بِمَكَّةَ يَقُولُ: إنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ ـ وبذلك (تمت خَمْسَة وثلاثين) ـ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ فَإنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قَالَ: لاَ، هُوَ حَرَامٌ. ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ *: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ؛ إنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ (فَجَمَلُوهَا، فَبَاعُوهَا، ثُمَّ أَكَلُوا ثَمَنَهَا+) . وقد خَرَّجَهُ أَبُو عِيسَى بَعْدَ هذا.
أَمَا إنَّهُ اسْتَثْنَى مِنَ الْمَيْتَةِ جِلْدَهَا فِي الدِّبَاغِ بِمَا نَبَّهَ عليه فِي الشَّاةِ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا مَيْمُونَةُ. وكذلك حَرَّمَ بيع الْخِنْزِيرِ؛ لأنه لا يُؤْكَلُ، وقد عُيِّنَ في التحريم قُرْآنًا وسُنَّةً، بَيْدَ أن مَالِكًا وغَيْرَهُ أَذِنُوا في الانتفاع بِشَعَْرِهِ في الْخَرْزِ؛ لأنه طاهر، لا حياة فيه، ولا يُدْرِكُهُ تحريم الموت. ولا أَعْلَمُ دليلًا يَخُصُّهُ، ويَلْزَمُ مَالِكًا والأَوْزَاعِيَّ ومَنْ سَاعَدَهُمَا الدَّلِيلُ الذي أَخْرَجَهُ من عموم تحريم الْعَيْنِ في ذِكْرِهِ.
وقد زَادَ على ذلك أَبُو يُوسُفَ فقال: يَطْهُرُ جِلْدُهُ بِالدِّبَاغِ. ولا يَجُوزُ حَمْلُهُ على الشَّاةِ الْمَيْتَةِ؛ لأن ذلك التحريم فيها لِعَارِضٍ، وهذا أَصْلِيٌّ في الحياة، فَبَقِيَ بعد الْمَمَاتِ.
وأما الأصنام، فما أَحَقَّهَا بالتحريم وأَوْكَدَهَا فيها؛ لأن هذه الأعيانَ إذا كانت مُحَرَّمَةً، وهي من جُمْلَةِ المعاصي، فالأصنام التي هي من قَبِيلِ الْكُفْرِ أَوْلَى. فإذا كُسِرَ، لم يَكُنْ صَنَمًا، فَجَازَ بيعه حَطَبًا إن كان من عُودٍ، أو صَخْرًا إن كان من رُخَامٍ، أو فَرْضًا إن كان من ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ.
وفيه دليل على تحريم بيع الآلات التي لا يُنْتَفَعُ بها إلا في معصية، وهل يَدْخُلُ فيها الْبُوقُ والرَّبَابُ وأَشْبَاهُهَا؟ يَنْبَنِي على جواز استعمالها في الأعراس والأعياد، وإذا كَثُرَ تَذَرُّعُ الناس بها إلى المعاصي، مُنِعَتْ من أصلها.
الثانية عشرة: إذا نَجِسَ الزَّيْتُ أو الْعَسَلُ أو اللَّبَنُ بما يَقَعُ فيه من نجاسة، فهل يَحْرُمُ بيعه، أم لا؟
يَتَرَكَّبُ على تَنَجُّسِهِ أو لا مِمَّا وَقَعَ فيه، فَعَلَى رواية الْمَدَنِيِّينَ عن مَالِكٍ في أن الْمَائِعَ كالماء في أحد القولين ـ وهو الصحيح ـ لا يُنَجِّسُهُ إلا ما غَيَّرَهُ. أو يَنْزِلُ عن درجة الماء على كل قول، ويَنْجَسُ بكل ما وَقَعَ فيه؟
فإذا جَعَلْنَاهُ كالماء، لا يَنْجَسُ إلا بالتَّغَيُّرِ، فلا كلام.
وإن قلنا: إنه بخلاف الماء، فَاخْتَلَفَ علماؤنا فيه، فمنهم مَنْ قال: يُطَهَّرُ. ومنهم مَنْ قال: يُسْتَصْبَحُ به في غير المساجد. وكل ذلك مَرْوِيٌّ عن مَالِكٍ.
وإذا قلنا بذلك، جَازَ بيعه، وبَيَّنَ به؛ لأَنَّا قد بَيَّنَّا أن كل مَنْفَعَةٍ مَأْذُونٍ فيها شرعًا جَازَ بيعها، وأَخْذُ الْعِوَضِ عنها. وكذلك الْعَسَلُ واللَّبَنُ إذا نَجِسَا، جَازَ الانتفاع بهما في عَلْفِ البهائم وذِي الْجَنَاحِ، ومَنَاوَلَتُهُ لِمَنْ لا تكليف عليه. وليس ذلك إلا مَبْنِيّ على اختلاف العلماء لتعارض الأدلة عليه، فلا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ مَنْ قام الدليل قَطْعًا على إبعاده، ووَقَعَ الرَّدْعُ
والزَّجْرُ عنه، وعَظُمَ الْوَعِيدُ فيه، كَالْخَمْرِ والْخِنْزِيرِ، أَلاَ تَرَى إلى عظيم وَعِيدِ الله في الْخَمْرِ، حتى أَوْحَى إلى رسوله في الْخَبَرِ الصحيح: =مَنْ بَاعَ الْخَمْرَ، فَلْيُشَقِّصِ الْخَنَازِيرَ+. وهذا حديث بَدِيعٌ، لم يَفْهَمْهُ قَوْمٌ، حتى قالوا: إن مَعْنَى قوله: =يُشَقِّص+. أَيْ: يَذْبَحُهُ بِالْمِشْقَصِ، وهو نَصْلٌ عَرِيضٌ.
وهذا مِمَّا يَرْبَأُ الْمَرْءُ بِنَفْسِهِ عن أن يُضِيفَهُ إلى الرسول *؛ لِمَا فيه من تَكَلُّفِ القول، وضعيف الاستعارة، وتَقَلْقُلِ الْكِنَايَةِ على مِهَادِ الْفَصَاحَةِ، وإنما معناه: فَلْيُبَعِّضْهُ، وَلْيَجْعَلْهُ أَشْقَاصًا، فيقول: منه حَلاَلٌ، ومنه حَرَامٌ. وذلك أن الله حَرَّمَ شُرْبَ الْخَمْرِ، فَمَنْ أَرَادَ أن يُبَعِّضَ حَالَهَا، فَيَجْعَلَ الشُّرْبَ وَحْدَهُ حرامًا، ويُجَوِّزَ الْبَيْعَ، فَلْيَفْعَلْ كذلك في الْخِنْزِيرِ؛ فإنه لا فَرْقَ بين الحالين والذَّاتَيْنِ والْحُكْمَيْنِ.
وأَخَافُ أن يَدْخُلَ فيه مَنْ قال: إن شِقْصًا منه ـ وهو الشَّعَْرُ ـ حَلاَلٌ، والله أعلم، وهذا مِمَّا وَهِمَ فيه مَنْ رَأَيْتُهُ تَعَرَّضَ لتأويله، وهذا لُبَابُ الْحَقِّ، إن شاء الله.
الثالثة عشرة: لَعْنَةُ الْيَهُودِ والنَّصَارَى جائزة في الْجُمْلَةِ بهذا الحديث وغيره. ولا يُلْعَنُ مُعَيَّنٌ منهم في حياته، حتى يَمُوتَ على ذلك، وقد بَيَّنَّاهُ في =الأحكام+. وكذلك يَجُوزُ لَعْنُ السارقين والظالمين والكاذبين وأمثالهم على العموم، ولا يُخَصُّ بذلك وَاحِدٌ، وقد تَقَدَّمَ بيانه هَهُنَا أيضًا.
الرابعة عشرة: =لَعَنَ رَسُولُ اللهِ * فِي الْخَمْرِ عَشَرَةً+. ذَكَرَهُ، ولم يُنَزِّلْهُ، والله أَعْلَمُ لمن فَاتَ التَّنْزِيل مِنَ الرُّوَاةِ. وتَنْزِيلُهُ يَفْتَقِرُ إلى عِلْمٍ وَافِرٍ، وذلك يَكُونُ بشبهين:
أحدهما: الترتيب من جِهَةِ تَصَوُّرِ الوجود.
والثاني: (من جِهَةِ) كَثْرَةِ الإثْمِ.
فأما تَنْزِيلُهَا وترتيبها من جِهَةِ الوجود، فهو الْمُعْتَصِرُ. ثم الْعَاصِرُ. ثم البائع. ثم الآكِلُ الثَّمَنِ. ثم الْمُشْتَرِي. ثم الحامل. ثم الْمَحْمُولَةُ إليه الْمَشْتَرَاةُ له. ثم السَّاقِي.(ثم الشَّارِبُ.
وأما من جِهَةِ كَثْرَةِ الإثْمِ وعِظَمِ الْوِزْرِ، فهو الشَّارِبُ). ثم الآكِلُ لِثَمَنِهَا. ثم البائع. ثم السَّاقِي). وسائرهم يَتَقَارَبُونَ في الدَّرَكَاتِ في الإثْمِ، وقد يَجْتَمِعُ الْكُلُّ منها في شَخْصٍ واحد، وقد يَجْتَمِعُ البعض، ونَعُوذُ بالله من تَضَاعُفِ السيئات وأَصْلِهَا.
الخامسة عشرة: هذا كما قلنا على العموم في اللَّعْنِ جائز، فأما على التَّعْيِينِ، فلا يَجُوزُ؛ في الْبُخَارِيِّ: =أَنَّ رَجُلًا كَانَ يُدْعَى حِمَارًا، كَانَ يُؤْتَى بِهِ النَّبِيَّ * سَكْرَانَ، فَيَأْمُرُ بِجَلْدِهِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَعَنَهُ اللهُ؛ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ! فَقَالَ النَّبِيُّ *: لاَ تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ+.
[1313] السادس والثلاثون: =نَهَى النَّبِيُّ * عَنِ الْمُعَاوَمَةِ، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا+. رَوَاهُ جَابِرٌ. وخَرَّجَهُ عن أَبِي عِيسَى عن جَابِرٍ: =عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ+. والْمَعْنَى واحد؛ فإن الْمُعَاوَمَةَ مُفَاعَلَةٌ من الْعَامِ، وهو السَّنَةُ، وكان بيعًا يَبْتَاعُهُ أهل الجاهلية، كان يَبِيعُ أحدهم ثَمَرَهُ لثلاثة أَعْوَامٍ وأَكْثَرَ.
وذلك لا يَجُوزُ؛ لأن بيع المعدوم لا يَجُوزُ، إذْ لا يَجُوزُ بيع الموجود الغائب لِلْغَرَرِ، فالمعدوم أَوْلَى منه أَلاَّ يَجُوزَ؛ ولهذا قال ابْنُ عَبَّاسٍ: =قَدِمَ النَّبِيُّ * الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيِنِ، فَقَالَ: مَنْ أَسْلَفَ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ+. وهذا باب مَسَحَ عليه أَبُو عِيسَى ومَصَّحَهُ، فَجَرَرْنَا عليه ذَيْلَ الصَّمْتِ، وتَرَكْنَاهُ
إلى غير هذا الوقت.
قال الإمام الحافظ: انْتَهَتْ مَنَاهِي أَبِي عِيسَى، وعُدْنَا إلى تَرْتِيبِهِ.
بَابُ كَرَاهِيَةِ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً
[1237] الْحَسَنُ، عن سَمُرَةَ: =أَنَّ النَّبِيَّ * نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً+. حديث حَسَنٌ صحيح، وسَمَاعُ الْحَسَنِ من سَمُرَةَ صحيح. قاله ابْنُ الْمَدِينِيِّ.
[1238] ورَوَى الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ، عن أَبِي الزُّبَيْرِ، عن جَابِرٍ أن النبي * قال: =الْحَيَوَانُ؛ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لاَ يَصْلُحُ نَسَاءً، وَلاَ بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ+. حديث حَسَنٌ.
الإسناد:
قال الإمام الحافظ: اخْتُلِفَ في سَمَاعِ الْحَسَنِ من سَمُرَةَ، فقال الْبُخَارِيُّ: هو صحيح؛ والدليل عليه حَدِيثُ الْعَقِيقَةِ، (خَرَّجَ فِيهَا سَمَاعَهُ) مِنْهُ. وكذلك قال عَلِيُّ ابْنُ الْمَدِينِيِّ، كما ذَكَرَ أَبُو عِيسَى عنه.
وقال ابْنُ مَعِين: حديث الْحَسَنِ عن سَمُرَةَ صَحِيفَةٌ. ويَحْتَمِلُ أن يَكُونَ سَمِعَ منه بعض حديثه، ثم وَجَدَ (صَحِيفَةً عنه) ، فَحَدَّثَ بها عنه، وذلك جائز إذا صَحَّتْ عنده، وما كان الْحَسَنُ لِيُحَدِّثَ بما لم يَصِحَّ.
وقال الْبُخَارِيُّ: =حديث الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً من طريق عِكْرِمَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ، الثِّقَاتُ رَوَوْهُ عن ابْنِ عَبَّاسٍ موقوفًا، أو عن عِكْرِمَةَ، عن النبي * مُرْسَلًا+.
الأحكام:
في ( ... ) :
الأولى: قال الإمام الحافظ: اخْتَلَفَ العلماء في ذلك على أربعة
أقوال:
الأول: أنه حرام. قاله سُفْيَانُ وأَحْمَدُ وأهل الرَّأْيِ.
الثاني: أنه مكروه. قاله عَطَاءٌ.
الثالث: قال مَالِكٌ: إذا اخْتَلَفَتِ الأجناس، جَازَ بيعه نَسِيئَةً، وإن تَمَاثَلَتْ، لم يَجُزْ.
الرابع: قال الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ بكل حال. واحْتَجَّ بحديث عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو: =أَنَّ رَسُولَ اللهِ * أَمَرَهُ أَنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا، فَنَفِدَتِ الإبِلُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلاَئِصَ مِنَ الصَّدَقَةِ، فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصَّدَقَةِ+. وعَضَّدَ هذا بأن الحيوان ليس من أموال الرِّبَا، فَيُرَاعَى فيه التفاضل أو النَّسَاءُ.
واحْتَجَّ مَنْ مَنَعَ ذلك بحديث سَمُرَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وقد صَحَّحَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وقال به. واحْتَجَّ من كَرِهَ ذلك بأن قال: لَمَّا تَعَارَضَ الحديثان، صَارَتْ شُبْهَةً، فَكُرِّهَتْ، ولم تُحَرَّمْ.
وجَاءَ النَّاقِدُ الْجِهْبِذُ مَالِكٌ فقال: إن الحديثين لَمَّا تَعَارَضَا، كان حُكْمُهُمَا عند التعارض أن يُجْمَعَ بينهما إن أَمْكَنَ، وإلا وَقَعَ الترجيح، والْجَمْعُ بينهما ممكن بأن يَكُونَ حديث جَابِرٍ محمولًا على الْجِنْسِ الواحد، وحديث عَبْدِ اللهِ محمولًا على الْجِنْسَيْنِ، وإذا أَمْكَنَ الْجَمْعُ، لم يَكُنْ تَعَارُضٌ، ولا وَجَبَ تَرْجِيحٌ. ويُعَضِّدُ هذا قَوْلُهُ * في حديث عُبَادَةَ: =فَإذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسَانِ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ+. فَشَرَطَ عند اختلاف الْجِنْسِ التَّقَابُضَ.
فإن قِيلَ: إنما شُرِطَ التَّقَابُضُ عند اختلاف الْجِنْسِ فيما شُرِطَ فيه التَّمَاثُلُ عند اتِّفَاقِ الْجِنْسِ والنَّقْدُ.
قلنا: هو مُطْلَقٌ في إعْمَالِ الْجِنْسِ كُلِّهِ حيث كان، يُؤَكِّدُهُ أن الرِّبَا والنَّقْدِيَّةَ إنما رُكْنُهَا وَصْفَانِ:
الْقُوتُ. والْجِنْسُ.
فإذا اجْتَمَعَا، كان التَّمَاثُلُ والنَّقْدُ، وإذا انْفَرَدَ الْقُوتُ، وَجَبَ النَّقْدُ وَحْدَهُ. وكذلك إذا انْفَرَدَ الْجِنْسُ، يَجِبُ النَّقْدُ وَحْدَهُ، وليس لهم على هذا كلام يَنْفَعُ، وقد بَيَّنَّاهُ في موضعه من =مسائل الخلاف+.
[1239] وعَقَّبَ أَبُو عِيسَى هذا الحديث بحديث جَابِرٍ: =جَاءَ عَبْدٌ إلَى النَّبِيِّ *، فَبَايَعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، وَلاَ يَشْعُرُ النَّبِيُّ * أَنَّهُ عَبْدٌ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ يُرِيدُهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ *: بِعْنِيهِ. فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، ثُمَّ لَمْ يُبَايَعْ أَحَدًا بَعْدُ، حَتَّى يَسْأَلَهُ: أَعَبْدٌ هُوَ؟ +. قال: وهو حَسَنٌ صحيح.
قال الإمام الحافظ: وهذا الحديث خارج عن الأصل؛ لأن الشراء يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ بِعَبْدَيْنِ نَقْدًا، بل هو الظاهر، وإنما ابْتَاعَهُ النبي *؛ لأن الْبَيْعَةَ لَمَّا انْعَقَدَتْ على الْهِجْرَةِ إليه، والْكَوْنِ معه، كَرِهَ أن تَنْتَقِضَ، فَأَمْضَاهَا بِأَنِ ابْتَاعَهُ ـ ولم أَعْلَمْ اسْمَهُـ وقد كان لِسَيِّدِهِ حَمْلُهُ ونَقْضُ الْهِجْرَةِ بِحُكْمِ الرِّقِّ؛ فإن حَقَّ السَّيِّدِ مُقَدَّمٌ على حَقِّ الله عند العلماء؛ لأن الله هو الْغَنِيُّ الحميد، والْخَلْقُ هم الفقراء، فَجَبَرَ فَقْرَهُمْ بتقديم حَقِّهِمْ، والْكُلُّ حَقُّهُ وفَضْلُهُ.
تَنْبِيهٌ على دُسْتُورٍ:
هذه جُمْلَةُ الْمَنَاهِي التي ذَكَرَ، ويَنْضَافُ إليها تَمَامُ سِتَّةٍ وخَمْسِينَ، بيانها في كتاب =الأحكام+. وكلها تَرْجِعُ إلى سبعة أقسام:
صِفَةِ الْعَقْدِ. الْمُتَعَاقِدَيْنِ. الْعِوَضَيْنِ. حَالِ الْعَقْدِ. وَقْتِ الْعَقْدِ.
ويَحْضُرُهَا في عِلَّةِ الفساد ثلاثة أنواع:
الرِّبَا. الْبَاطِلُ. الْغَرَرُ.
ويَرْجِعُ الْغَرَرُ إلى الْبَاطِلِ، فَيَكُونُ الْكُلُّ اثْنَيْنِ، يَرْجِعُ إلى آيَتَيْنِ:
الأولى: × xwur تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ ب@