وإعمالُ العقل المتجرد في سبر الحقائق وفحصها بلا مؤثر نادرٌ جدا، وكثيرا ما يظن الإنسان أنه اعتقد ما يراه حقا بالعقل المتجرد، ودوافعُ النفس الدقيقة الأخرى مجتمعةٌ أقوى من دافع العقل، فالشرع ما منع من مجالسة المبطلين ضعفا في الحق الذي جاء به، ولكن صونا للعقل من أن تغلبه دوافع النفس فتختلط بالعقل ويتدثر بها، لذا نجد كثيرا من الناس بلغوا حدا مفرطا من العقل والذكاء يعبدون البقر والحجر بل الفأر، فضلا عما فوقها من دركات الفكر والرأي، بسبب المخالطة الحسية والمعنوية ومَزَلَّةُ الأفهام أن يظن كثير من الناس أنه توصل لقناعة عقلية قاطعة في شيء، والحق غير ذلك، فالعقل الصحيح لا يتنافر إطلاقا مع النقل الصريح وَمِنْ كوامن النفس، وبواطنها الخفية إذا اندفعت بقوة بلا تجرد إلى تقرير مسألة أو دفع حجة قوية، الإغضاءُ عن نقض ما تقرره النفس من وجوه أخرى، فكفار قريش يعترضون على محمد كونه بشرا مثلهم فقالوا {وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ} (المؤمنون:34) بينما لم تلفت نفوسهم إلى إلههم الحَجَر فرضي المشركون بالإله الحجر، وَرَدُّوا نبوة النبي لأنه بشر! لأن النفس منشغلةٌ في صد محمد، والطعن في نبوته، على أي وجه كان، منصرفة عن طلب الحق، كحال من يفتش في كتب السنة ليقف على نص مُشتبِه، ويضع أُصبعيه في أذنيه عن سماع دِرَّة عُمَرَ على رؤوس الرجال وهو يُفَرِّقُهُم عن النساء، كما رواه الفاكهي في تاريخ مكة وهذا النحوُ ليس من طرائق أهل العدل والعلم والإيمان