والإختلاطُ تَعْرِفُ خطرَه الفطرةُ البشرية، والشرائع السماوية قبل رسالة الإسلام، فامرأةُ عمران أم مريم بنت عمران كانت عجوزا عاقرا لا تلد فجعلت تغبط النساء لأولادهن فقالت"اللهم إِنَّ عَلَيَّ نذرا شكرا إن رزقتني ولدا أن أتصدق به فيكون من سدنة المسجد وخُدَّامِهِ عابدا متفرغا لذلك"، {إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (آل عمران:35) ولكنه صار بنتا، {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى} (آل عمران:36) تعتذر عن يمينها لربها {رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} (آل عمران:36) والأنثى لا تصلح لذلك فالتفرغ للمساجد والتعبد فيها من خصائص الرجال والأنثى تختلط بهم، فأبطل الله نذرها لهذا السبب روى ابن أبي حاتم في تفسيره (1) ، وابن جرير أيضا، عن ابن جريج، أخبرني القاسم بن أبي بزة، أن عكرمة قال" {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى} قالت ليس في الكنيسة إلا الرجل فلا ينبغى لامرأة أن تكون مع الرجال، أُمُّهَا تقوله، فذلك الذي منعها أن يجعلها في الكنيسة وينفذ نذرها بتحريرها في الكنيسة قولُه تعالى {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ} "قال الجصاص في أحكام القرآن (2) "وإنما كُرِهَ ذلك للمرأة في المسجد لأنها تصير لابثةً مع الرجال في المسجد وذلك مكروه لها سواء كانت معتكفة أو غير معتكفة"وهكذا كانت شريعة بني إسرائيل حتى في مواضع الصلاة يتمايزن مكانا عن الرجال، فلما تمادين مُنِعْنَ من حضور الصلاة مع الرجال روى عبد الرزاق في مصنفه (3) بسند صحيح عن عائشة قالت"كان نساءُ بني إسرائيل يتخذن أرجلا من خشب يَتَشَرَّفْنَ للرجال في المساجد فحرم الله عليهن المساجد"وهكذا قص الله عن موسى عليه السلام حاله مع المرأتين وابتعادهما عن الرجال {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} (القصص:23 و24)