الصفحة 9 من 42

الصوارف عن الصواب:

وأعظمُ ما يُحيل الإنسانَ عن الحق، ويحيده عنه، هو كثرة مخالطة الباطل حسا ومعنى، بلا معرفة سابقة بالحق محكمة، وكما جاء في الأثر"كثرةُ النظر في الباطل تُذْهِبُ بمعرفة الحق من القلب"، ولهذا جاءت النصوص في الوحيين بالتحذير من الخوض في الباطل وإدامة النظر فيه أو الجلوس بين المبطلين {فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} (النساء:140) لأن القلب يُشرب الفكرةَ والرأيَ شيئا فشيئا، حتى تستحكم منه، لذا قال الله تعالى بعد ذلك مبينا المآل {إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} (النساء:140) أي حالُكم سيكون كحالهم، وهذا سببُ أكثر الإنحراف في البشر، لذا قال المشركون لما سئلوا {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} (المدَّثِّر:42) قالوا {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ} (المدَّثِّر:45) وروى أحمد عن ابن مسعود قال"أكثرُ الناس خطايا أكثرهم خوضا في الباطل"وقد رأيتُ من يكثر مطالعةَ الباطل أكثر من الحق ككتاباتِ الصحف ومقالات ولقاءات إعلامية وغيرها ويوغل فيها، تذهب بمعرفة الحق من قلبه من حيث لا يشعر، فالعقل والنقل يدل على أنه ما من فكرة أو عقيدة ولو كانت موغلة في الشر، إلا ولها قبول ولو كان كامنا دقيقا في النفوس، وربما لا تدركه النفس لدقته واضمحلاله، يُخفيها تارة غلبة القناعة بغيرها، أو عدم اشتغال الفكر بها، أو كثرة ورود النواقض لها أمام البصر والسمع فيُطفي جذوتها في النفس، فيظن الإنسان أن لا قبول له بغير ما ورد إليه، ويحييها في النفس عكس ذلك، فتحيا وتنمو شيئا فشئيا، وقد يرد عليها ما يجعلها تخبو من دوافع إحياء غيرها، وتتدافع دوافع الحياة والموت في الفكرة والعقيدة والغلبةُ للأغلب، ولهذا جاء في الشريعة أن النفس لا تؤاخذ بما تحدث به نفسها حتى تتكلم أو تعمل وهذا سببُ خطاب جميع البشر على السواء بأنواع المحرمات ولو كانت تنفر منها الطباع كالشذوذ الجنسي والقتل بلا حق، والغش والسرقة وغيرها، لوجود جذوة كامنة لها، خوفا من وارد نادر يُحْيِيهَا، وهذا لكمال الشريعة واستيعابها وحياطتها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت