وقد قرر بعض الكُتَّاب أن مصطلح (الإختلاط) من المحدثات في الشريعة، بعبارات مختلفة فقال"الإختلاط، وهو ما لا يُعرف في قاموس الشريعة"وقال"بدعةٌ مصطلحيةٌ لا تُعرف في مدونات أهل العلم"إلى غير ذلك، مِنَ المتقرر أن الشريعة تدور مع المعاني والحقائق، والمصطلحات تولد للتقريب والإفهام، ومع ذلك فمن المجازفة أن يطلق أن مصطلح (الإختلاط) "بدعةٌ مصطلحيةٌ لا تُعرف في مدونات أهل العلم"وهذا ليس من التحقيق والتحري في شيء، والنصوص في جميع القرون منذ الصدر الأول إلى يومنا لا يخلو قرنٌ من بيان الإختلاط وتحريمه بل وفي سائر المذاهب الفقهية، مع الإقرار أن الفقهاء في سائر القرون على هذا المصطلح خاصة، وما في حكمه ومعناه مع ثبوت مصطلح (الإختلاط) في دواوين السنة وآثار السلف وكتب الفقهاء كما سيأتي، إلا أن التغافل عن المعاني المتفق عليها شرعا، ودلالة الفطرة والمآلات التي يعرفها أهل التجربة ليس من الإنصاف في شيء، فالعبرة بالمعاني لا بالتراكيب اللفظية، ومن أراد أن يجد مصطلحا ينضبط باطراد تام في كتب الفقهاء فهذا متعذر، فالمصطلحات تُوَلَّد والأصلُ متقرر (فالغزل) (والمعاكسة) مصطلحاتٌ حادثةُ الإسقاط على معاني مخصوصة وحكمها قطعيُّ الحظر، فالمصطلحات الحادثة من أنواع ما يُخَمِّرُ العقل، ويدخل في حكم الخمر من المشروبات والمأكولات والمستنشقات شيءٌ لا يحصى ورَدُّ المعاني بحدوث المصطلح، للتملُّصِ من بعض أنواعها أو كلها من الجدل الواهي، فالمشركون ردوا التوحيد الذي تنادي به الفطرة والشرائع كلها بقولهم {مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ} (ص:7) ليصلوا إلى عدم العمل به {إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ} (ص:7) والشريعةُ لا تلتفت عند ابتداء تنزيلها للمصطلحات والألفاظ وربما تَنَزَّل حينها الشارع بإسقاط اللفظ مع الإتفاق على المعنى، لهذا لما كان كفار قريش يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم يدعوا «يا رحمان يا رحيم» استنكروا هذا اللفظ (الرحمان) وهو صحيح، فتنزَّل معهم للوصول إلى الحق فقال {ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَانَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} (الإسراء:110) فالغاياتُ والمعاني أهمُّ من المصطلحات وأولى كيف ومصطلحُ (الإختلاط) مصطلحٌ فقهي معروف في سائر دواوين الشريعة، بل يذكره العلماء في أبواب العقائد أحيانا عند تلازمه بمنكر عقدي ولفظةُ (الإصطلاح) ذاتُها لفظةٌ حادثة، ولفظ (الإختلاط) سابقٌ لها، ضبطه الشارع عُرْفًا ونصا، وَوَضْعُ الحُكم لا بد وأن يكون سابقا على تقرير الإصطلاح، ومن نظر في السنة والأثر، وأسقط عليها إطلاقات العلماء في تحريم الإختلاط فَهِمَ اللفظ الشرعي، وانضبط في ذهنه الإصطلاحُ العلمي، ولم تؤثر عليه العُجْمة الفكرية، ولا الشبهة النفسية، ولا الإشتراكات اللغوية