5 -وأما الإستدلال بما جاء عن سالم بن سريج أبي النعمان قال سمعت أم صبية الجهنية تقول"ربما اختلفتْ يدي بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الوضوء من إناء واحد"فأمُّ صبية محكومة بحكم الإماء، فهي جارية من جواري عائشة، كما رواه البيهقي في الدعوات (1) من طريق محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن سلمة عن أبيه عن أم صبية الجهنية وكانت جارية لعائشة رضي الله عنها وجاريةُ الزوجة لا تحتجب من زوجها، وبه ينتقض الإحتجاج به، فالإماء كما هو معلوم في الشريعة غير مخاطبات بالحجاب مثل الحرائر بل كان عمر بن الخطاب يضربهن على تشبههن بالحرائر وجاء عند الواقدي في السير قال حدثني عمر بن صالح بن نافع حدثتني سودة بنت أبي ضبيس الجهني أن أم صبية الجهنية قالت"كنا نكون على عهد النبي وعهد أبي بكر وصدرا من خلافة عمر في المسجد نسوة قد تجاللن وربما غزلنا فيه فقال عمر لأردنكن حرائر"فأخرجنا منه وفي الخبر فائدتان:
الأولى: أنها متجالة يعني كبيرة
والثانية: أنها لم تأخذ حكم الحرائر إلا زمن عمر رضي الله عنه
وجزم مغلطاي في شرحه لسنن ابن ماجه (2) في كونها من الموالي، والأَمَةُ ليست مأمورة بالحجاب في الإسلام، ومع ذا فقد قال الطحاوي بعد روايته للحديث (3) "في هذا دليل على أن أحدهما قد كان يأخذ من الماء بعد صاحبه"
6 -وأما الإحتجاج بحديث"كان الرجال والنساء يتوضؤون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعا"فلا أدري كيف يُفهم منه الإختلاط، فكيف يقول النبي عن الصلاة «خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها وخير صفوف النساء آخرها» وهو قد جمعهم قبل الصلاة يتوضؤون جميعا، ثم يفرقهم وقت الصلاة، ولا ريب أن من فهم هذا الفهم أساء بالنبي فهما وتشريعا، والمقصود به غير هذا المعنى يفسر هذا الأثر ما رواه عبد الرزاق في مصنفه وابن جرير الطبري في تهذيب الآثار عن ابن جريج، قال"سألت عطاء عن الوضوء الذي بباب المسجد، فقال له إنسان إن أناسا يتوضئون منه، قال لا بأس به، قلت له أكنت متوضئا منه؟ قال نعم، فراددته في ذلك، فقال لا بأس، قد كان على عهد ابن عباس، وهو جعله، وقد علم أنه يتوضأ منه النساء والرجال، والأسود، والأحمر، فكان لا يرى به بأسا"يعني يتناوبون على أواني واحدة يتوضأ منها الجميع لا تتنجس المياه بكثرتهم، ولا باختلاف أجناسهم، كما يتناوب المتأخرون على الحمامات والصنابير، وليس في ذلك دلالة على اجتماعهم في ساعة واحدة، وإنما يتناوبون، والعلماء عند الإستدلال ينظرون إلى القصد من سياق الخبر وروايته، لأن الراوي إذا قصد بيان حكم في حديث لم يحترز إلا له، ولهذا لم أجد أحدا من الأئمة ممن أورد هذا الحديث إلا ويورده في أبواب عدم تنجس الماء من بقايا المرأة وفضلها، لا يخرجونه عن ذلك، لأن ذلك هو الذي تسبق إليه أفهامهم عند سماع الخبر وما جاء في لفظ"كنا نتوضأُ نحن والنساء على عهد رسول الله من إناء واحد، ندلي فيه أيدينا"يعني لا نغترف اغترافا بأواني بل الماء تنغمس الأيدي فيه يشير إلى أنه لا يتنجس بورود المرأة فيه قبلنا وهكذا يقررها الفقهاء في جميع المذاهب الأربعة قال إمام المدينة الزهري مبينا ذلك"تتوضأ بفضلها كما تتوضأ بفضلك"وعلى هذا فسره أئمة الإسلام في القرون المفضلة