الصفحة 12 من 42

حقيقة الإختلاط:

وأما مسألة الإختلاط بالمفهوم الذي يُدعى إليه ليست مسألة بالغة من الخفاء واللطف حدًّا يدق عن فطنة العالم ويزيد عن تبصره، إذا نظر في نصوص الشريعة بتجرد، فالذين يوردون الإختلاط ويكتبون عنه لا يريدون تجويز خروج النساء للأسواق والطواف في حرم الله وشهود الجماعات خلف الرجال، وإنما يريدون التعميم حينما يأسوا من التخصيص، ليسقطوه على قضية مخصوصة والعالِمُ وعلى الأخص من تولى مسئوليةً يجب عليه أن يفرق بين الحالات ويدرك المآلات، ويميز بين قضايا الأعيان المتشابهة في الحال، المختلفة في المآل، والتفريق بين المنكرات العارضة، والمنكرات المقننة، فالمنكر العيني العارض ولو كَبُرَ (إلا الشرك) أهونُ من المنكر الصغير الذي يراد له التقنين والعالم المتشبع بالإطلاع على علل الشريعة ومقاصدها، يفرق بين مقامات النصوص والأخبار الواردة في القضية الواحدة، ويدرك أن منها مقامُ حكايةِ عينٍ ونقلِ إجمال، ومنها مقامُ تقرير وتعليم وتحقيق، فيردُّ نصوصَ الشريعة إلى موردها اللائق، وأما غيره فتتجاذبه المتعارضات مجاذبةً تقوده حينها الشهوة الخفية إلى ما لا يريده الله، وتعميه عما سواه ومن المسلم عقلا أن من المجازفة الإحتجاج بما ورد في أحد أوصاف الموصوف في سياق الجواز، على وصفٍ آخر له انفرد حُكمه بنص، وإذا وصف الموصوف بجميعها، لم يكن إفراده بوصف واحد منها دليلا على مساواة ذلك الوصف لبقيتها، وبمثل هذا الإحتجاج والفهم ظهرت البدع في أصول الدين المقتضية البيان عند نزول الوحي أكثر من الفروع، وحُجَجُ الخوارج في تكفير مرتكب الكبيرة، والمرجئة في إخراج العمل من الإيمان، هي من هذا النوع من الإستدلال، ناشئة عن عدم إحاطة بموارد النصوص، والغفلة عن غرضها، وكيف لو ملك الخائض في الإختلاط نصا صريحًا من الوحي، كما يملك الخوارج كقوله صلى الله عليه وسلم في الصحيحين «قتالُ المسلم كفر» ، وقوله صلى الله عليه وسلم «لا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» فكان بين يديه نَحْوَ"الإختلاطُ جائزٌ بين الجنسين"، ماذا سيبقي من رأي سائغ لمن خالفه، كيف وهو متجرد من ذلك كله، فصفة العالم العَدْلِ الجمعُ والتحريرُ بأوضح حجة وأسهل سبيل، فلا يكون ممن خفيت عليه أشياء، وحضره شيء، فيَضِلُّ ويُضِلُّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت