ولا فرق بين من يورد نصوص الإختلاط قبل تمام الشريعة وفي الناس بقايا جاهلية تستوجب الإنتظار، وبين من يورد أحاديث المتعة وأكل الربا وشرب الخمر قبل تحريمها مساق الجواز، وهذا عكسٌ للإسلام وقلبٌ لتاريخ التشريع، وكأني بمن يسلك هذا المسلك يأخذُ تشريعَ العاشر من الهجرة وينقضه بالتاسع، والتاسع ينقضه بالثامن، والثامن ينقضه بالسابع، وتشريع المدينة ينقضه بتشريع مكة، وكأن الإسلام بساط يُطوى، وعرى تنقض، ليظهر تحته بساط الجاهلية والإحاطة بمعرفة الناسخ من المنسوخ أيسر من السير في بطون أودية الهوى، التي هي مرتع للهوام ومضارب الدواب، وإن جهل شيئا منها، سأل من يعلم، والعلم الحق ليس ملكة العقل، أو شهادات أو تسنم مناصب، فهذا غير مراد في عد العلوم والتحقيق فيها والخلطُ في هذا الباب قديمٌ بقدم الجهل في الإسلام، وقدم الدوافع النفسية والهوى، وقد روي عن علي رضي الله عنه"أنه رأى في مسجد الكوفة خطيبا وهو يخلط الأمر بالنهي، والإباحة بالحظر، فقال له أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال لا، قال هلكت وأهلكت، ثم قال له أبو من أنت؟ قال أبو يحيى، قال أنت أبو اعرفوني ثم أخذ أذنه ففتلها، وقال له لا تقص في مسجدنا بعدُ"فإذا كان هذا في زمن الخلافة الراشدة في نصف القرن الأول، وتوافر الصحابة وفي معاقل الفقه والعلم، وفي مساجد الله، فكيف يكون الحال في القرن الخامس عشر، وفي صحف تنشر بلا رقيب وإني لأرجو لهذه الآذان أن تفتل، ممن له يد تصل كَيَدِ الخليفة علي رضي الله عنه من ولاة الأمر وهداة الحق وهم في الأمة كثير فما من جهالة إلا وهي تفضي بصاحبها إلى أخرى مثلها، وإذا كان في الذهن طلب قاصد لأمر، واستحكم منه، فلا يرى الباحث في مقصوده إلا ما يطلبه ولو كان وهمًا، كالظمآن يلتمس الماء فيتبع السَّرَابَ، وأما المنصفون فهم أخلياء الذهن من كل قصد إلا قصد الحق، ومن قصد غير ذلك، طلبا للحظوة وليتقدم في الدنيا خطوة، فهو في الآخرة يتأخر خطوات وإن من مواضع الخطأ عدمُ التفريق بين موارد النصوص وجعل المقامات الإتفاقية كالمعلومات اللزومية، وما يساق من أخبار هي من هذه الأنواع وسأجيب عنه بالتفصيل
-أولا: ما يذكره البعض وهو قبل النسخ:
يجب أن يُعلم أن الحجابَ فُرض على مراحل ومنه الإختلاط، وقد عاش الصحابة زمنا قبل فرضه في المدينة ومكة نحوا من سبعة عشر عاما، وأما بعد فرضه فخمسة أعوام نبوية فقط، ولهم في ذلك مرويات وقصص، في كتب السنة والسير، وكان فرضه سنة خمس من الهجرة، أخرج البخاري (1) عن أنس رضي الله عنه قال"نزل الحجابُ مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينبَ بنت جَحْش"رضي الله عنها قلتُ: وذلك قريب سنة خمس من الهجرة قال صالح بن كيسان قال"نزل حجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على نسائه في ذي القعدة سنة خمس من الهجرة"رواه ابن سعد بل جزم ابن العربي في أحكام القرآن (2) أنه سنة ست، وعلى هذا فيكون النبي صلى الله عليه وسلم عاش بعد فرضه أربع سنين وشيئا