الصفحة 6 من 42

إحتراز:

واحترازُ العلماء للإختلاط العابر في الأسواق والطرقات غير الممازج الذي لا قرار فيه، واستثناءُه من الإختلاط المحظور لا حاجةَ إليه لبيانه وعدم وروده عند العلماء، إلا حينما أراد بعض الكُتَّاب الإلزامَ به والقياس عليه في بابٍ من الجدل قديم لخلط الأنواع المفترقة، حتى تأخذ حكما واحدا تملُّصًا من النص بالقياس، ومروقا من الإلزام بحكمه، وهذا النوع من المجادلة قديم فحينما نزل تحريم الربا قال كفار قريش جدلًا {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} (البقرة:275) فاحتيج للمفاصلة مع وضوحها فقال تعالى {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} (البقرة:275) وهم عربٌ عُرَباء يدركون معنى الربا ومقصودَه، ومفارقةَ البيع لمعناه، والقَدْرَ الفيصل بينهما، فتتابعت نصوصُ الوحي في الوصف والضبط لأحوال الربا وأصنافه وصُوَرِهِ، دفعا لتسلُّلِ تلك الجدليات العقلية إلى أذهان الناس بحسن قصد أو سوء قصد، وهذا واجبُ ورثة المصطفى صلى الله عليه وسلم في كل شبيهٍ يُلحَقُ بنوعٍ يفاصلُه من وجه ويشابهُه من وجه آخر، ويختلفان في الحكم، ولما كانت تلك حجة قريش أفصح العرب في فهم أفصح بيان {قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} (الزمر:28) لشيء من أبين المحرمات وهو الربا فكان هذا من العرب المطبوعين فكيف الجدل عند الْمُوَلَّدِين؟ بل كيف بآخر الزمان الذي غلبت فيه العُجمة على الألسن؟ بعد خمسة عشر قرنا، والعُجْمَةُ اللغوية قد فشت وامتزجت بالعجمة الفكرية، وأنجبت لحنًا لا كاللُّحُون وفهمًا لا كالفهوم، وأصبحت السلامة عند بعض المتعلمين لا تتحصل إلا بالتحفظ والتَّصَوُّن وتأمُّلِ مواضع الكلام، لاضطراب كثير من الأفهام والألسن، فلا يدري الفَهِمُ أين ينحو وبما ينجو، وكما أنه لِلِّسان العربي مباءة يرجع إليها كدواوين العربية وقواعدها ليستقيم، كذلك لاستقامة الفهم الشرعي مباءة يُرجع إليها لا يصلح معها التصنُّع العلمي ولا التمحُّل والجدل، فكم أورد التمحُّل والجدل كثيرا من السالكين له الإسترسالَ فيه استدراجا وإغواءً من الله {وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} (الرعد:13) والجزاء من جنس العمل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت