فهؤلاء الصحابيات عَرَفْنَ أن مجامع الرجال ليس لهن، حتى في المهمات كالتعليم ومعرفة أحكام الشرع والتي يُقبِل عليها الإنسان بنية خالصة في التماس رضى الله، لا تشوبها شائبة، فكيف بغيره من الإجتماعات الأخرى، ولذا خَصَّصَ لهن مقاما ينفردن به عن الرجال، مع كثرة شغله ووفرة هَمِّهِ، وجَمْعُهُنُّ مع الرجال أيسر، ولكن ذلك مدفوع بمفسدة أكبر ولهذا كان الرسول في يوم العيد إذا انتهى من الخطبة للرجال، نزل وذهب للنساء يخطبهن (رواه البخاري) (1) ، ولو كن مع الرجال وقريبات منه ما احتاج إلى النزول والذهاب إليهن، إلا لأنهن لا يسمعن حديثه معهم لبعدهن
-ومن ذلك ما أخرجه البخاري (2) ومسلم (3) عن عقبة بن عامر"أنه صلى الله عليه وسلم قال «إياكم والدخول على النساء» فقال رجل من الأنصار يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال «الحموُ الموتُ» "وهذا خطاب للرجال واحدا أو جماعة أن لا يدخلوا على النساء واحدة أو جماعة، لأن الغالب في الدخول في البيوت المكث والجلوس والقرار، ويدخل في حكم هذا كل مشترك معه في العلة من أماكن العمل والتعليم وأشباهها
-ومن ذلك ما جاء من النهي عن النظر والأمر بغض البصر، وهذا لا يكون إلا في الأمر العارض على البصر لا الدائم، فلا يليق عقلا وشرعا أن يُؤْذَنَ لك بمخالطة امرأة ساعات ليلا ونهارا في مقر دائم كعمل ودراسة ثم تُؤمر بأن لا تراها، فهذا إفراغٌ للأمر والنهي من معناه ومحتواه، وتكليف بما لا يطاق قال تعالى {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} (النور:30) وَيُبَيِّنُ هذا ويجليه ما رواه البخاري (4) من حديث عبد الله بن مسعود قال"قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتنعتها (يعني تصفها) لزوجها كأنه ينظر إليها» "، فالزوجةُ منهيةٌ عن وصف المرأة الأجنبية لزوجها كأنه ينظر إليها، لأنه ينفتن بها قلبُه، ويزهده في زوجته من حيث لا تشعر، ويتشوَّف للموصوفة ويتمنى رؤيتها، فكيف يستقيم مثلُ هذا النهي للمرأة أن تصف، ويؤذن لزوجها أن يجالس المرأة الموصوفة ويخالطها في العمل أو الدراسة مخالطة مستديمة والنصوصُ في السنة الدالة على هذا المعنى كثيرة، وذكرُها في مثل هذا المختصر لا يؤدي الغرض المنشود، فخيرُ الكلام ما قَلَّ ودَلَّ ولم يَطُل فيُمَل، ومكانُ الإسهاب موضع آخر يليق به وحينئذ فزعمُ أحد الكتاب"أن مصطلح الإختلاط حادث، ولا تعرفه دواوين الشريعة"، هو من القطع بغير تقدير، والخبط الذي ليس من العلم في قبيل ولا دبير، وما يدري الناقد من أي بابٍ يلج إليه، لينير فيه مصباح الحق، فهو دارٌ مشرعةُ الأبواب والزوايا، وما يزال الرجل في فُسْحة من أمره حتى يضع علمه في قرطاس العلم، فالعقول محابر، والأقلام مغاريف، وكل إناء بما فيه يرشح
4 - (5240 و5241)