فهذه القواعد الثلاث السابقة هي جِماع أحكام الرِّبا، والتي نلحظ من
خلالها أنَّ ربا النسيئة محرَّم في كل صوره؛ وذلك لأنَّ تحريمه إنَّما هو من تحريم المقاصد، وذلك لما فيه من الضرر العظيم، أما تحريم ربا الفضل فإنَّما سببه هو سد ذريعة ربا النَساء، الذي هو صلب الرِّبا ومعظمه. أ. هـ [1]
قال ابن العثيمين: وتحريم ربا الفضل تحريم وسائل لا تحريم مقاصد، لذا فهو جائز في بعض حالاته للحاجة، والقاعدة:"ما حُرِّم تحريم الوسائل جاز للحاجة". [2]
ومن هنا يأتي معنى القاعدة: كل ما حَرُم بينهما ربا الفضل، مثل بيع الذهب بالذهب متفاضلًا، حَرُم بينهما ربا النسيئة، فلا يجوز بيع الذهب بالذهب نسيئة.
ثم قلنا لا عكس: بمعنى أنَّ من الأصناف الرِّبوية ما يجوز بينهما ربا الفضل، كبيع الذهب بالفضة متفاضلًا، فهنا يحرم بينهما النسيئة فلابد من شرط التقابض، حتى وإنْ جاز التفاضل.
قال ابن قدامة: كل ما حَرُم فيه التفاضل حرم فيه النَساء بغير خلاف نعلمه؛ لأنَّ تحريم النَساء آكد، فإذا حُرِّم التفاضل فالنَساء أولى بالتحريم. أ. هـ. [3] .
إذن فإنَّ الرِّبا الأعظم والأشد تحريمًا هو ربا النسيئة، لذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"إنَّما الرِّبا في النسيئة". [4]
(1) ذكره ابن القيم في الإعلام (2/ 105) .
(2) وانظرمجموع فتاوى ابن باز (19/ 224) والشرح الممتع (3/ 741) .
(3) وانظرالمغني (4/ 11) .
(4) 6 م (1596) ن (4581) جه (2287) ، وقد كان ابن عباس رضي الله عنهما يفتي بحل ربا الفضل مستدلًا بهذا الحديث، وقد روى مسلم والبيهقي والطحاوي وأحمد وغيرهم رجوع ابن عباس عن ذلك، فإنْ قيل فما تأويل قوله - صلى الله عليه وسلم:"إنما الرِّبا في النسيئة"؟؟ نقول: جواب ذلك من ثلاثة وجوه: القول بالنسخ أو الترجيح أو التأويل:
أما النسخ: فيدل عليه أنّ أحاديث إباحة ربا الفضل جاءت أول الهجرة، كما في حديث البراء بن عازب في الصحيح: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قدم المدينة فقال:"ما كان يدًا بيد فلا بأس"، ثم جاءت أحاديث النهي في العام السادس كما في حديث فضالة المعروف بحديث القلادة، فدل على تحريم ربا الفضل.
قال النووي: أجمع المسلمون على ترك العمل بظاهر حديث:"إنما الربا في النسيئة"وهذا يدل على نسخه. أ. هـ، وانظر شرح مسلم (6/ 30) وفقه المعاملات (ص/204) ، والقول بالنسخ مما رجحه الشنقيطي في الأضواء (1/ 204) .
أما الترجيح: تتحدد وجوه ترجيح تحريم ربا الفضل علي من قال بجوازه ومنها:
1 -... أحاديث تحريم ربا الفضل حاظر، وأحاديث إباحته مبيح، وعند التعارض يقدم الحاظر على المبيح، و انظر الأشباه و النظائر لابن الملقن (2/ 365) .
2 -... أحاديث تحريم ربا الفضل مفسرة وأحاديث إباحته مجملة، فيقدم المفسر علي المجمل. ذكره المزني في مختصره (ص/109)
3 -... أحاديث تحريم ربا الفضل منطوق وأحاديث إباحته مفهوم، وحال التعارض يقدم المنطوق على المفهوم، وانظر السيل (3/ 71) .
أما التأويل: فله وجوه أيضًا:
أ ... قوله:"لا ربًا إلا في النسيئة"، أي لا ربا أشد ولا أغلظ من ربا النسيئة.
ب ... يُحمل الحديث على الأجناس المختلفة كبيع الذهب بالفضة، فيجوز فيها الفضل دون النساء، فكأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن بيع الذهب بالفضة، فذكر الحديث، فسمع الراوي الحديث دون السؤال."قاله الشافعي في اختلاف الحديث (ص/601) وكذا رجحه الخطابى وابن قدامة."
ت ... أو يقال أنّ الحصر في قوله"إنما الربا في النسيئة"هو حصر كمال، أي أنَّ الربا الكامل هو ربا النسيئة.
أقول: ذكر بعض العلماء عدم رجوع ابن عباس عن فتواه، قلنا: رجع أم لا، فالحجة معنا في الصحيح الثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أرأيت في فتوى ابن عباس بحل أكل لحوم الحمرالإنسية للآية"قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍفَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ"، فهل يُتابع عليها وتُترك سنة النبي صلى الله عليه وسلم القاضية بتحريم لحوم الحمرالإنسية؟!