وعن برده بن نيار (رضى الله عنه) أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أفضل الكسب بيعٌ مبرور، وعمل الرجل بيده" [1]
وكما علَّمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمانة بقوله، أيضا علَّمهم إياها بفعله، ويدل على ذلك
حديث العدَّاء بن خالد (رضى الله عنه) قال: كتب لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتابًا قال فيه:"هذا ما اشترى العدَّاء بن خالد من محمَّد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"اشْتَرَى مِنْهُ عَبْدًا أَوْ أَمَةً، لَا دَاءَ وَلَا غَائِلَةَ وَلَا خِبْثَةَ، بَيْعَ المُسْلِمِ المسلمَ" [2] "
(1) حم (17265) ك (2160) ،واسناده حسن،، قال السندي: والبيع المبرورهو ما يبرُّ فيه صاحبه فلا يغش ولا يخون، ولا يحلف بالكذب. أ. هـ، وانظرالفقه على المذاهب الأربعة (2/ 141) . ... وهنا فائدة: اختلف العلماء في أطيب الكسب وأشرفه؟ قيل: هي الزراعة وقيل التجارة وقيل غير ذلك، قال ابن القيم: والراجح أنَّ أحلَّها الكسب الذي جعل منه رزق النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو كسب الغانمين، فقد مدحه القرآن وأثنى على أهله، واختاره الله لخير خلقه كما في قوله عليه السلام:"وجُعل رزقي تحت ظل رمحي"فهو الرزق المأخوذ بعزة وشرف وقهر لأعداء الله. أ. هـ
قال ابن حجر: كسب الجهاد هو أشرف المكاسب لما فيه من إعلاء كلمة الله. أ. هـ، قال ابن عبد البر: أجمعوا أنَّ كسب الغنائم هو أشرف الكسب. أ. هـ وانظر زاد المعاد (5/ 702) وفتح الباري (4/ 431) والآداب الشرعية (3/ 199)
(2) ت (1216) جه (1838) ،والحديث قد رواه البخاري معلقًا بصيغة التمريض، وقد وصله ابن حجر في التغليق (3/ 218) وقال: في سنده عبَّاد بن ليث وهو مختلف فيه، ولكنَّ الحديث مروي من طرق أخري، وهو حسن في الجملة أ. هـ، وحسنه الألباني في المشكاة (2/ 868) ،وقال ابن العربي: الداء ما كان في الجسد والخِلقة، والخبثة ما كان في الخُلُق، وانظرتحفة الأحوذي (4/ 341) .
فائدة: حكم البيع الذي يقع فيه الغش في المبيع؟ نقول: البيع الذي حوى على الغش والتدليس هو من أكل أموال الناس بالباطل،
أما حكم البيع من حيث الصحة: فهو صحيح وإن كان صاحبه آثمًا، ودليل لصحة البيع هو ثبوت الخيار لصاحبه، والخيار فرع عن صحة البيع، إذ لا خيار إلا ببيع. أ. هـ، ذكره العثيمين في شرح الأصول (ص/143) .
أقول: وإن كان بيع الغاش صحيحًا مع الإثم، فإنَّ الحرام الذي يجمعه الغاش في بيعه لا ينفعه في الدنيا وهو مستحق للعذاب في الآخرة، فالحرام ممحقة للحلال، كما قالوا:"جمع الحرام علي الحلال ليكثره ••• فجاء الحرام علي الحلال فبعثره"، وقد حكى الغزالي أنَّ رجلًا كان يملك بقرة وكان يبيع من لبنها فيخلط اللبن بالماء، فجاء سيل عارم فأغرق البقرة، فقال له ولده:"إنَّ الماء الذي صببناه متفرقًا في اللبن قد اجتمع علينا فأغرق البقرة".أ. هـ انظرالإحياء (2/ 69) .